منتديات عطية المصرى يوجد بها كل ما تبحث عنة
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصوربحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 اليهودية والإسلام على ضوء التوراة والقرآن...

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
kamal _zb

avatar

ذكر عدد الرسائل : 31
العمر : 43
تاريخ التسجيل : 15/09/2008

مُساهمةموضوع: اليهودية والإسلام على ضوء التوراة والقرآن...   2008-09-15, 6:28 pm

الدكتور الشيخ محمد جعفر شمس الدين‏


مدخل وتمهيد‏
قد يتوهم متوهم أن مقارنة الأديان والمذاهب حقل من حقول العلم الحديث، وأن علماء الإسلام طارئون عليه، والحقيقة تنفي هذا التوهم بشقّيه، فالمسلمون كانوا السباقين إلى خوض غمار هذا العلم، وإرساء قواعده على أسس من الموضوعية والتجرد وبناء مداميكه بأسلوب سهل ومتماسك جعلوا من العدل والإنصاف سداه ولحميته. والمتتبع لنتاج العلماء المسلمين في هذا المضمار يجد أنهم وضعوا مؤلفات كثيرة اهتموا من خلالها بدراسة الأديان والمذاهب والنحل، كان بعضها خاصاً بفئة أو طائفة، وكان بعضها الآخر عاماً يعرض للأديان والمذاهب كافة، مقارناً بينها، مستعرضاً ما عليها وما لها.‏
فالشهرستاني(1) (479 – 548 هـ) وضع كتابه الجليل "الملل والنحل" حيث جاء دائرة معارف كاملة للأديان والفرق الاعتقادية، وتعدى ذلك إلى عرض الآراء والنظريات الفلسفية والكلامية المتعلقة بما وراء الطبيعة وغيرها، فكان موفقاً في كل ما أثبته في كتابه، مما أثار إعجاب العلماء من العرب وغيرهم، مسلمين وغير مسلمين، وترجم هذا الكتاب إلى لغات عديدة شرقية وغربية. حتى أن العالم الألماني هبركر يقول: "بواسطة الشهرستاني في كتابه الملل والنحل نستطيع أن نسد ثغرة في تاريخ الفلسفة بين القديم والحديث". وبالتزامن معه وضع ابن حزم (2) (ت456 هـ) كتابه "الفصل بين الملل والأهواء والنحل".‏
وكذلك وضع البيروني(3) (ت 430 هـ) كتابه الشهير "تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة" فبحث أديانها بأسلوب رصين دون المس بمشاعر أحد من أتباع تلك الديانات والمعتقدات. وكذا في العصر نفسه تقريباً وضع البغدادي(4) (ت429 هـ) على النسق نفسه كتابه "الملل والنحل". وقبل هؤلاء جميعاً وضع المسعودي (ت345 هـ) كتابه "المقالات في أًصول الديانات". وقبل هذا وضع النوبختي (ت 202 هـ) كتابيه "الآراء والديانات" وكتاب "فرق الشيعة".‏
بل إننا نجد من العلماء المسلمين من ألّف كتباً في ترجمة شخصيات متعددة الأعراق والأديان قد برزت في حقول علمية ومعرفية متنوعة، في الأدب والطب والفلك والفلسفة والرياضيات وغيرها، وكان من بينها كثير من اليهود والنصارى وغيرهم، فكان هؤلاء المترجمين نماذج رائعة للباحث المنصف والمتسامح، حيث كتبوا تراجم العلماء والأدباء من أتباع تلك الديانات مع ما لهم وما عليهم من دون غمط ولا تجنٍّ ولا افتئات. وكتاب "معجم الأدباء" لياقوت الحموي(5) وكتاب "عيون الأنباء في طبقات الأطباء" لابن أبي أصيبعة(6)، و"أخبار العلماء بأخبار الحكماء" لابن القفطي(7) و"الوافي بالوفيات" للصفدي(Cool أوضح شواهد على ما قلناه.‏
والسبب في ذلك من وجهة نظري أن هؤلاء العلماء قد التزموا بعقيدة الإسلام المستندة إلى الإيمان بالله وكتبه ورسله دون تفريق، واعتقادهم بأن الله هو مصدر الدين، وأن الأديان التي يعتنقها الناس وإن تعدّدت أسماؤها واختلفت مسمياتها، تشترك في قواسم كبرى هي الإيمان بالله، الخالق والقادر والمدبّر، وبالقيم الأخلاقية النابعة من العقيدة الحقّة، ومنها العدل والإنصاف. وأنها تهدف إلى صهر البشرية في بوتقة واحدة ومسار واحد وفق شريعة الله وأحكامه. وأن الخلق كلهم عبد الله وعياله، مما حدا بعلماء الإسلام أن يتعاملوا مع العلماء من أتباع الديانات الأخرى بتسامح وانفتاح، متسمين بالموضوعية التي تتيح لصاحبها أن يكون مؤثراً ومتأثراً، وآخذاً ومانحاً في آن، من دون أن يفقد شيئاً من مقوّمات شخصيته، او يتنازل عن شيء من قيمه ومنطلقاته الحضارية المستندة إلى دينه ومقدّساته، مهما كانت قوميته وارتباطاته الذاتية التي استطاع الإسلام بما فيه من رحابة وسماحة أن يحرره من قيوها الضيقة، لينطلق به إلى رحاب الكون الواسع والفهم العميق للكينونة الإنسانية، باعتباره ديناً عالمياً حاء مطابقاً لما سبقه من رسالات سماوية في أصولها الكبرى كما أنزلها الله لا كما حرّفتها الأهواء.‏
هذا فضلاً عن أنه خاتم الرسالات، وأن رسوله هو خاتم الأنبياء والرسل، وأن رسالته كانت رسالة جامعة، شاملة في نظرتها للإنسان والكون والحياة، فردية واجتماعية، مشتملة على نظام متكامل للإنسان، تنصهر فيه العبادات مع المعاملات والسياسات والأحكام، وتتوحد فيه العبادة والنظام الاجتماعي، وتتناغم فيه العقيدة مع الشريعة، وتشكّل الأخلاق السدى واللحمة للمنهج الفردي والاجتماعي للإنسان. والإسلام، إلى كونه دين الفطرة، فهو دين العقل أيضاً. وإلى جان بكونه ديناً واقعياً فيه من المرونة ما يجعله قادراً على مواكبة الأزمنة والأعصار، ومسايرة حركتها التطورية، ومعالجة مشكلاتها المستجدة.‏
لكل ذلك لم يكن غريباً ما قام به العلماء المسلمون من خوض غمار هذا الحقل من العلم فكانوا روّاده بكل نزاهة وتجرّدن مما لانجده في ما قام به بعض أتباع الديانات الأخرى من دراسات حول الإسلام، انعدمت فيها الموضوعية، وطفحت بالأباطيل والأضاليل يحدوها عداء متأصل لهذا الدين منذ انطلاقته الأولى، ويطغى عليها التعصب والهموى، فطمست حقائق بشكل كلي، أو زيّفت بإضافة هنا أو انتقاص هناك وتأميل يتماهى ويتماشى مع رغبات التحريف الجامحة، والنظرات المتحجرة الجامدة كرّستها وضاعفت من شراستها وحقدها، كتابات المبشرين والمستشرقين من الذين ارتضوا لأنفسهم أن يكونا خدّاماً للمشاريع الاستكبارية، التي وضع القيّمون عليها نصب أعينهم السيطرة على العالم الإسلامي ونهب ثرواته الطبيعي، واستعباد شعوبه، حيث توصلوا إلى حقيقة لا مراء فيها، وهي أنهم لن يستطيعوا تحقيق مأربهم ذاك إلا بتغريب المسلمين عن دينهم، وتنفيرهم منه، لأنه مصدر مقوّمات الشخصية الإسلامية ومكوّناتها.‏
وفضلاً عن معرفتهم بهذا الدين، بما يحمله من واقعية وعقلانية، وبما يشتمل عليه من نظم تستوعب جوانب الحياة الإنسانية كافة، وتشريعات سامية تستبطن القدرة على الحد من مشكلات الحياة، وهذه كلها تستمد من القرآن الكريم والسنّة الشريفة. وجدوا أن أقرب طريق للوصول إلى غاياتهم الآثمة هي تهشيم هذا الدين عبر نشر الأضاليل والأباطيل بين المسلمين حول دينهم، وكتاب ربّهم، وشخصية نبيّهم، فيضعف ارتباطهم به، وتتزلزل ثقتهم بقيادتهم الرّبانية فتغيم الصورة وتتبلبل الرؤية لديهم فيسهل تدجينهم ويتيسّر إحكام القبضة عليهم.‏
وحملة الأباطيل هذه، وإن قادها أشخاص من المبشّرين والمستشرقين بدافع الحقد على الإسلام والكيد له، إلا أننا لا نستبعد أن يكون بعض من انساقوا وراء هذا التيار وفيه ممن يجهلون الإسلام أساساً أو ممن انطلت عليه لعبة إلباس بعض البحوث المعادية لهذا الدين لبوساً زائفاً من العلوم للتمويه على الغايات والأهداف الحقيقية لأصحابها.‏
والمقطوع به أن هذه البحوث ومبرمجيها كانت تدار من وراء الستار بأيدٍ يهودية تلمودية من أهم أغراضها، لا تشويه الإسلام فقط، بل والمسيحية أيضاً. باعتبارهما جاءا بعدها، وكشفا كثيراً من جوانب التحريف الذي أدخل عليها من قبل أحبارها، فضلاً عما عمّقته الصهيونية العالمية من انحراف فيها في العصور التالية. ولذا لا بد من استعراض بعض أهم أصول المقارنة بين العلوم بشكل عام، وفي علم الأديان بشكل خاص، وما يجب أن يستوفيه العالم المقارن من شروط ليتصف بحثه بالرصانة والرزانة، ويستحق بالتالي صفة البحث العلمي، فتثمر المقارنة ثماراً سليمة طيبة.‏
وأهم هذه الشروط:‏
• أولاً: إحاطته بكل مفصل من المفاصل التي يريد أن يقارنها في أي دين أو مذهب من الأديان والمذاهب، موضوع دراسته، وذلك في مصادرها الأصلية غير معتمد في ذلك على ما كتب من قبل الباحثين حولها، ليأتي بحثه بحثاً موثقاً ليس للتأويلات الشخصية والنزعات الذاتية دخل فيها.‏
• ثانياً: أن يكون محيطاً بأصول الاحتجاج ومقوّماته ليتمكن من استعراض البراهين لمختلف الأديان والنحل من مصادرها الأصلية، وغربلتها والموازنة بينها لتقديم ما هو حجة واقعاً على ما ليس بحجة.‏
• ثالثاً: أن يتّسم الباحث المقارن بالموضوعية ونعني بها استعداده النفسي للتحرر من كل رواسبه الفكرية والاعتقادية، باحثاً عن الحقيقة، مستعداً للجهر بها حتى لو كانت مخالفة لتلك الرواسب والقبليات به.‏
ونحن في هذه الدراسة الموجزة، سوف نحاول تسليط الأضواء على بعض النقاط الجوهرية والمسائل الأساسية لدى كل من الأديان الثلاثة: اليهودية، النصرانية والإسلام، كما جاءت في النصوص الموجودة والمتداولة من خلال كتب هذه الأديان: التوراة، الإنجيل، والقرآن، من دون زيادة ولا نقصان، مستأنسين بما وضعه علماء كل دين من شروح وتفسيرات.



اليهودية‏
اليهودية، مشتقة من "هاد الرجل يهود، أي رجع وتاب" وإنما لزمهم هذا الإسم في عهد النبي موسى (ع) كما حكاه القرآن الكريم عنه، عندما قال: "إنا هدنا إليك، أي رجعنا وتضرّعنا.(9)‏
ومعنى ذلك أن هذه التسمية لم تلصق بهم قبل هذا التاريخ، وقيل بأن هذه التسمية أطلقت على هذه الفئة من الناس نسبة إلى يهوذا، أحد أولاد يعقوب وهو مما لم يوثّق تاريخياً.‏
أما ما يروج له في الإعلام خلال العقود الأخيرة من تسمية هذه الفئة بالعبريين أو العبرانيين وكأنه نعت خاص بها، مع أن الحقيقة تنفي ذلك، لأن هذه التسمية مشتقة من: عبر يعبر عبوراً، أي قطع مرحلة من الطريق أو النهر أو الوادي.‏
وهذا الاشتقاق موجود في اللغة العبرية كما في العربية، وهي في مجملها تدل على التحوّل والتنقل الذي هو من أخص ما يتصف به الرحّل من أهل البادية والصحاري، ومعنى ذلك أنه يصح إطلاق هذه التسمية على كل من كان من أهل البوادي ممن ديدنه التنقل وكثرة الترحال ترصداً لأماكن الكلأ والماء فيها، وبالتالي لا يمكن أن يكون خاصاً بفئة بعينها.‏
وقد كان الكنعانيون والمصريون والفلسطينيون من سكان الحواضر يسمّون كل من بيته معه من بني إسرائيل كان أو من غيرهم لعلاقتهم بالصحراء تمييزاً لهم عن أهل العمران. ويتضح من كل ذلك أن في إصرار الإعلام الموجّه بيد صهيونية حصر هذه التسمية باليهودية دون غيرهم هدفاً عنصرياً مرتبطاً بالخلفية النفسية المرضية لدى هذه الفئة التي تجهد لاحتكار كل شيء وتجييره لمصلحتها تطبيقاً لمقولة شعب الله المختار.‏
ويرى بعض الباحثين(10) أن أول من سمي بالعبري هو النبي ابراهيم (ع) لأنه عبر النهر، ويحتمل أنه نهر الفرات أو نهر الأردن. وإطلاق هذا القول في غير محله، لأن ابراهيم (ع) لم يكن بالبداهة أول من عبر نهر الفرات أو نهر الأردن بل سبقهته أمم وشعوب فعلت ذلك، ومع التنزّل فإن هذا الرأي يثبت ما ذكرناه من مقولة أن اللفظ مشتق من العبور، لنهر كان أو لأرض أو لطريق.‏
ومعنى ذلك أن هذه التسمية وجدت قبل أن يتبلور لليهود وجود معنوي أو مادي في التاريخ، لأن ابراهيم (ع) لم يكن منهم ولا من غيرهم، وصدق الله حيث يقول:‏
"ما كان ابراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين"(11)‏
والذي يؤكد هذه الحقيقة، أن التوراة والإنجيل إنما أنزلا من بعد عصر ابراهيم بقرون طويلة، وقد حكى الله تعالى هذه الحقيقة فقال: "يأهل الكتاب لم تحاجّون في ابراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون"(12) ومن المعروف تاريخياً أن الجذر الأول للسامية التي وردت إلى فلسطين من العراق هو ابراهيم (ع)، حيث هاجر إليها من أور الكلدانيين بعدما حصلت المواجهة بينه وبين مشركي قومه، كما يحدثنا القرآن الكريم. ثم كانت هجرته الثانية من فلسطين إلى مصر مع من كان معه، ومن ثم عاد إلى أرض كنعان (فلسطين) واصطحب معه، من اصطحب، جارية مصرية كانت لزوجته سارة، اسمها هاجر، والتي تزوج منها بماءً على رغبة من سارة التي كانت عقيماً، فولدت له هاجر ابنه اسماعيل (ع)، الذي اصطحبه مع أمه إلى مكة، كما يحدثنا القرآن الكريم، ونشأ بها، وصاهر سادتها من قبيلة "جُرهُم". ومن نسله جاء العرب الذين اعتنقوا الإسلام في ما بعد على يد النبي محمد (ص) وحطموا دولة الرومان ودولة الفرس، واستعادوا فلسطين وما حولها فتحقق وعد الله لإبراهيم (ع): "وإذ ابتلى ابراهيم ربُه بكلمات فأتمّهن قال إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين" (13) "وإذ يرفع ابراهيم القواعد من البيت واسماعيل ربنا تقبّل منا إنك أنت السميع العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمةً مسلمة لك وأرِنا مناسكنا وتُب علينا إنك أنت التواب الرحيم ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويزكيهم إنك أنت التواب الرحيم" (14)‏
ثم شاءت قدرة الله أن تحبل سارة في سن متقدمة من ابراهيم (ع) وهو شيخ طاعن أيضاً، كما ورد ذكر ذلك في القرآن الكريم، فولدت إسحق (ع) الذي استقر في أرض كنعان (فلسطين) وخلّف إسحق (ع) ولدين هما: عيص (وفي بعض الروايات عيسو) ويعقوب (وفي بعض الروايات عيسو) ، وقد تخلّف يعقوب باثني عشر ولداً من أربع نساء وروي بأن أسماءهم هي: روبيل (وفي بعض المصادر روبين) وهو أكبرهم، شمعون، لاوي، يهودا، ريالون (في بعض المصادر زبولون)، يشجر (في بعض المصادر يسّاكر) ، وأمهم ليا بنت ليان وهي ابنة خالة يعقوب (ع). ثم توفيت فتزوج يعقوب بعدها أختها راحيل فولدت له يوسف (ع) وبنيامين. وولد له من سريتين له اسم إحداهما زلفة والأخرى بلهة أربعة بنين: دان، نفتالي، حاد (في بعض الروايات جاد) ، آشر(في بعض المصادر آشير) (15).‏
وكانت لغة العبرانيين هي العبرية، ويظهر أنها كانت لغة عامة لكل من أطلق عليه هذا اللقب، ولم تكن خاصة بفئة معينة منهم، وهذه اللغة لم تعمّر أكثر من الف عام، حيث انقرضت سنة 200 قبل الميلاد، وإن بقيت مستعملة من قبل الكهنة في كتاباتهم الدينية، وحلت محلها الآرامية كلغة للتخاطب. ثم أصبحت الآرامية لغة الكتابة أيضاً، إلى أن تغلّبت عليها اللغة اليونانية، فأصبحت لغة التخاطب والكتابة معاً. (16)‏
واليهود هم أمة موسى (ع)، وذكروا في القرآن الكريم بهذا الإسم مرات كثيرة، كما عبّر عنهم بلفظ "هود" في قوله تعالى: "وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً..". (17)‏
وهود جمع هائد أي يهودي، وعلى ذلك فهو عربي.(18) والكتاب "المقدس" الذي يؤمن به اليهود، ويعتقدون - على اختلاف بين فرقهم حوله – بأنه عبارة عما أنزل على أنبيائهم قبل عيسى (ع). إنه التوراة. أو ما سمي في ما بعد بالعهد القديم (19).‏
ويقصد بالعهد: الميثاق، أي هو الميثاق الذي أخذه الله على الناس، بزعمهم، في زمن موسى (ع)، وهذا العهد – وأمور أخرى – هو مصدر اليهودية الرسمية عقيدة وشريعة وتاريخاً، بل هو كل وجودها في الماضي والحاضر.‏
العهد القديم‏
العهد القديم، وفق الرؤية اليهودية، مقسم إلى مجموعات ثلاث، تضم أربعة وعشرين سفراً (20)، وهذه المجموعات الثلاث هي: التوراة، أسفار الأنبياء والكتب.‏
أ - التوراة‏
التوراة كلمة عبرانية تعني الشريعة والتعليم(21)، وهي عبارة عن خمسة أسفار ينسبها اليهود إلى موسى (ع)، وجاء بالترتيب التالي: سفر التكوين، سفر الخروج، سفر اللاويين، سفر العدد وسفر التثنية.‏
1. سفر التكوين: ويحتوي، فضلاً عن بعض التفصيلات الأخرى، على سرد لكيفية خلق السموات والأرض، وخلق آدم وحواء وجانباً من أحوالهما، وسرداً لبعض أحوال نوح (ع) وأبنائه، والطوفان، وابراهيم وأيوب (ع) وأحوال يعقوب وأبنائه الاثني عشر، وقصة ارتحالهم إلى مصر وبقائهم فيها مع يوسف (ع) حيث ختم هذا السفر بموته.‏
2. سفر الخروج: ويحتوي على سرد لأحوال بني إسرائيل في مصر، مع التركيز على أحوال موسى (ع) وهارون (ع) معهم، ومواجهته مع فرعونها، وكيفية خروجهم معهما منها، إلى فلسطين، وصوراً عن دخول الأرض المقدسة كما أمرهم الله خوفاً ممن فيها من الجبارين، وعقاب الله لهم بالتيه في صحراء مصر أربعين سنة، وحرمان الله لهم من دخول تلك الأرض.(22) كما يحتوي هذا السفر على ما يعتقدون أنه بعض من الشريعة التي أنزلها الله على موسى (ع) مما يتعلق بالوصايا، والسبت، والتابوت، والمذبح وبنائه، وكيفية صنعهما، وخيمة الاجتماع.. إلخ.‏
3. سفر اللاويين (الأحبار): سمّي هذا السفر بذلك، نسبة إلى لاوي وهو أحد أولاد يعقوب (ع) وإليه ينتسب موسى وهارون (ع)، وأسمي هذا السفر باسمهم نظراً لمكانتهم الدينية حيث كانوا كهنة الشريعة وأحبارها ولذا سمي بسفر "الأحبار"، وأسندت إليهم مناصب عالية، ويتضمن، في ما يتضمن، العديد من الأحكام المتعلقة بالأعياد اليهودية، والمحرّمات من الأطعمة، والمناكح، والنذور، والأوامر والمناهي مع بيان الثواب والعقاب على فعل كل منها أو مخالفتهما.‏
4. سفر العدد: سمي بهذا الإسم لتضمنه في الغالب إحصاءات لأسباط بني إسرائيل، مع بيان مراتبهم، وعدد ذكورهم.. إلخ، وفي بعض فصوله يحكي، حسب زعمهم، صوراً من العداء لموسى (ع) وأخته مريم، وكيف غضب الله عليها فرماها بالبرص.. إلى آخر الأسطورة.(23) ومرة أخرى من قبل شخص يدعى "قورح اللاوي" مع بعض رؤساء اللاويين الآخرين، حيث قادوا تمرداً ضد موسى وهارون معاً، وحصل جدل بينهم وبين موسى (ع) حيث قال إثنان منهم له: "أقليل أنك أصعدتنا من أرض تفيض لبناً وعسلاً لتميتنا في البرية حتى تترأس علينا، ترؤساً، كذلك لم تأتِ بنا إلى أرض تفيض بنا لبناً وعسلاً، ولا أعطيتنا نصيب حقول وكروم، هل تقلع أعين هؤلاء القوم ؟ لا نصعد.."(24) وفي هذا السفر وصف لكثير من الطقوس وصور العبادة عندهم.‏
5. سفر التثنية: قيل سمي بهذه التسمية، لما فيه من تكرار وإعادة للتعاليم والتشريعات التي تلقّاها موسى (ع)، بزعمهم، من الرب، وأحكام العبادة وطقوسها مع عرض للوصايا، وفيه تكرار أيضاً لذكر ما أحل من الأطعمة، وما حرم وتضمن حديثاً عن كل من النبوة والقضاء والملك في بني إسرائيل، وينتهي هذا السفر بالإصحاح الرابع والثلاثين، بسرد كيفية موت موسى (ع) في أرض موآب وهو ابن 120 سنة، حيث بكاه بنو إسرائيل هناك ثلاثين يوماً، وخلفه يشوع بن نون، وسمع بنو إسرائيل له، لأن موسى (ع) كان وضع عليه يديه فامتلأ روح حكمة..‏
هذه هي التوراة بأسفارها الخمسة وهي تشكل جزءاً من العهد القديم، وفيه يتضح أن إطلاق لفظ التوراة على هذا لعهد، إنما هو إطلاق مجازي للجزء على الكل، ولذا عنونّا هذا البحث بالعهد القديم، وليس بالتوراة، لأن العهد القديم بمجموع أسفاره (وعددها من منظور يهود 24 أو 25 سفراً)، فضلاً عن أمور أخرى، هو مصدر عقائد غالبية اليهود وشرائعهم وأخلاقهم ومستندهم في تاريخهم ووقائعهم.‏


يتبع........
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
kamal _zb

avatar

ذكر عدد الرسائل : 31
العمر : 43
تاريخ التسجيل : 15/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: اليهودية والإسلام على ضوء التوراة والقرآن...   2008-09-15, 6:31 pm

ب - أسفار الأنبياء‏
وهذه، بحسب الترتيب اليهودي لأسفار العهد القديم، عبارة عن 8 أسفار فقط (25)، أربعة منها، بزعمهم، لأنبيائهم المتقدمين، وهي: يشوع، قضاة، صموئيل، الملوك، والباقي من أسفار الأنبياء، جعلوه لأنبيائهم المتأخرين، وعددها أربعة أيضاً وهي: إشعياء، إرمياء، حزقيال، الاثنا عشر.(26)‏
ج - الكتب (الكتوبيم)‏
ويشتمل هذا الجزء الثالث من كتاب اليهود "المقدس" عندهم، وعند النصارى أيضاً، على أنواع ثلاثة حسب الترتيب التالي هي:‏
1. كتب الأشعار: وهي من الكتب التي تحتل موقعاً مهيباً عندهم، وهذه الكتب هي: المزامير، الأمثال (أمثال سليمان)، أيوب. وكل واحد يعتبر عندهم سفراً من الأسفار.‏
2. المخطوطات الخمس: وهذه المخطوطات هي بالترتيب التالي: نشيد الإنشاد، راعوث(27)، المراثي (مراثي إرميا، إستير(28)، الجامعة) ولا يخلو بعض هذه الأسفار عن غزل داعر بلا حدود وكل مخطوطة منها تعتبر، أيضاً، سفراً من الأسفار.‏
3. الكتب التاريخية: وهذه الكتب حسب الترتيب اليهودي هي: دانيال، عيزرا(*)، نحميا، أخبار الأمم. وبهذا يتم مجموع أسفار اليهود وهو 24 سفراً.‏
تنبيه‏
بعض علماء اليهود، لا يعترف بسفرين اثنين من هذه الأسفار هما "الجامعة" و"نشيد الإنشاد". كما أن السامريين، وهم طائفة ليسوا في الأصل من جملة بني إسرائيل (**) اعتنقوا اليهودية، لا يعترفون من العهد القديم إلا بالأسفار الخمسة للتوراة التي ادّعي انتسابها إلى موسى (ع) وقلة قليلة منهم يضيفون إليها سفرين آخرين هما "يوشع" و"القضاة"، معتقدين بأن هذه الأسفار السبعة بمجموعها هي فقط كتابهم "المقدس"، وإن كانوا ينظرون إلى السفرين المذكورين على أنهما تاريخيان. وقيل إن الصدوقيين، وهم فرقة من اليهود، ينحون هذا المنحى أيضاً.‏
العدد الحقيقي للأسفار اليهودية‏
أثبت اليهود في كتابهم "المقدس" من الأسفار عدداً أقل مما أثبته النصارى في العهد القديم بنحو 15 سفراً وفق النسخة البروتستانتية التي حوت 39 سفراً، وبنحو 22 سفراً وفق النسخة الكاثوليكية التي حوت 46 سفراً، وهي التي أقرّت كأسفار قانونية للعهد القديم من قبل المجمع الكاثوليكي الذي عقد في "ترنت" لمدة تسع سنوات (1554 – 1563 م) وبنحو 18 سفراً وفق معتقد الأرثوذكس القائم على أن عدد أسفار العهد القديم هو 43 سفراً، والتي أقرّها مجمعهم المنعقد في بيت المقدس والمعروف باسم synod of Jerusalem عام 1672م.‏
وهذه الظاهرة كانت ملفتة لنظر كثير من الباحثين حول العهد القديم. فقد رأوا أن النصارى عندما أقروا هذا الكتاب، على اختلاف في عدد أسفاره وترتيبها بينهم، إنما اعتمدوا على ما كان اليهود أنفسهم قد جمعوه من أسفار فهي تعتبر المصدر الوحيد للأسفار عند النصارى.‏
وعليه، اعتبر أن هنالك أسفاراً سرية عند اليهود، وخاصة عندما نعلم بأن قائمة الأسفار وفق الرؤية اليهودية كانت قد أقرّت في أواخر القرن الأول الميلادي، بعد تدمير أورشليم سنة 70 ميلادية. والذي يؤيد ذلك، أن أسفار العهد القديم عند ترجمتها من اللغة العبرية إلى اللغة اليونانية في عهد الملك بطليموس (أواخر القرن الثالث ق.م) بما يسمى بالترجمة السبعينية(30)، وجد فيها زيادة 13 سفراً على الأصل العبري، وهذه الأسفار هي: سفر طوبيا، سفر الحكمة، أسفار المكابيين الأول والثاني والثالث والرابع، سفر يهوديت، سفر سوزان، سفر بيل والتنين، نشيد الفتية الثلاثة، أسفار عيزرا الثلاثة، سفر الكهنوت لابن سيراخ، الزيادات في سفر دانيال.‏
وما يبدو واضحاً من كل ذلك، أن أحبار اليهود في تلك الفترة كان لديهم لكتابهم "المقدس" يزيد بكثيرعما أقرّوه من أسفار عام 70 م. كما سبق وإلا فمن أي أصل ترجم الأحبار السبعون الأسفار الزائدة عن الموجود الآن في العهد القديم ؟! إذ إن أي ترجمة لا بد أن تستند إلى أصل يترجم عنه! فهل يا ترى يكون السر بتيخّر هذه الأسفار من النص اليهودي للعهد القديم، هو بداية ازدهار النصرانية وانتشارها الذي اقتضى حذراً زائداً من اليهود، أو من فئة منهم على الأقل، جعلهم يضنّون بتراثهم عمن جاؤوا بعدهم لينازعوهم احتكارهم القيمومة على ما يعتبرونه حقاً لهم دون غيرهم، وهو كلمة السماء، باعتبارهم شعب الله المختار كما يزعمون؟!(31)‏
والذي يرجّح في النظر وجود ذلك عند اليهود ما جاء في سفر أسدراس (عيزرا) الثاني، ضمن سرد لقصة تكليم الله له في اليوم الأول، وأعطي له في اليوم الثاني كأس من مشروب عجيب ثم هبط عليه وحي أملاه خلاله على كتبته فكتبوا ما أملي عليهم بأحرف لا يعرفونها، فكانت حصيلة ما كتبوه 94 سفراً، أمره الله – كما يقول عيزرا – بنشر 24 سفراً لا يطّلع عليها سوى الحكماء من اليهود.(32)‏
أضف إلى ذلك، ظهور أسفار أخرى في فترة لاحقة أطلق عليها وصف "المخبأة" و"المخفية" وهي ترجمة الكلمة اليونانية "Apocrypha" حيث كان أول من اطلق عليها هذه التسمية "القديس إيرونيموس (جيروم)" مترجم الفولجاتا (340 – 420م.)‏
وهذه الأسفار، لسبب من الأسباب، لم تدرج ضمن أسفار العهد القديم، بل سحبت من التداول من قبل أحبار اليهود. ويبدو أنهم أرادوا الاحتفاظ بها لأنفسهم، وكونها مخفية لا ينافي كونها مقدسة عندهم ومعتمدة لديهم.(33) (*)‏
وأخيراً، فالذي يقوّي هذه الشكوك حول وجود أسفار كثيرة أخرى لدى اليهود غير التي اشتمل عليها كتابهم "المقدس"، ومن بعد العهد القديم المعترف به من قبل النصارى على اختلاف بينهم حول عددها، كما تقدمت الإشارة إليه، هو مكتشفات وادي قمران في منطقة البحر الميت، في ما يعرف باسم "لفائف وادي قمران"، والتي استغرق العثور عليها منذ العام 1945م. حتى العام 1956م. وجمعت من عدة مغاور في الوادي المذكور.‏
صدق الله تعالى حيث قال:‏
"إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمناً قليلاً أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلّمهم الله يوم القيامة ولا يزكّيهم ولهم عذاب أليم".(34)‏
"وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنول الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيراً..".(35)‏
"يأهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبيّن لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب". (36)‏
ملاحظات على العهد القديم‏
لا بد من تقسيم البحث هنا إلى قسمين:‏
الأول: ينصبّ على أسفار هذا العهد في الجزئين الثاني والثالث وهما: الأنبياء والكتب.‏
الثاني: ينصبّ على الجزء الأول منه وهو ما يسمّى بالتوراة، أو الناموس، أو الشريعة، كما أشرنا إليه سابقاً من أنه عبارة عن الأسفار الخمسة الأولى من العهد القديم الذي يزعم كل من اليهود والنصارى أنه مما أوحي به إلى موسى.‏
فبالنسبة إلى القسم الأول نورد الملاحظات التالية:‏
الملاحظة الأولى: الفترة الزمنية الطويلة الممتدة بين زمن النزول وزمن التدوين. فتدوين هذين الجزئين من العهد القديم لم يبدأ إلا في عصر متأخر جداً عن زمان التنزيل المفترض على "الأنبياء". وقد تضاربت أقوال الباحثين المهتمين وغيرهم من المؤرخين والعلماء الغربيين بهذا الصدد؛ بحيث تراوحت تقديراتهم حول تدوين هذه النصوص بين القرن الرابع، والقرن الثاني عشر للميلاد، علماً بأن آراءهم حول ذلك لم تعدُ أن تكون مجرد ظنون وتخمينات واحتمالات.‏
وأقدم مخطوطة عبرانية للعهد القديم، كما يقول كني كات – وهو من اعتمد عليه في تصحيح أسفاره – وهي نسخة كودكس اسكندريانوس، وقد كتبت في المائة العاشرة بينما يرجع موشيدي الروسي تاريخ كتابتها إلى المائة الحادية عشرة ميلادية.(37) وكذلك الحال بالنسبة لمخطوطات هذا العهد باللغة اليونانية.‏
ونخلص من ذلك إلى نتيجة حاسمة هي أن أقدم نسخة خطية للعهد القديم قد وضعت بعد عصر "التنزيل" المفترض بألفي سنة على الأقل. وهذا يعني أن ما يسمى بالكتاب المقدس لليهود وغيرهم، كان – قبل أن يُدوّن – "تراثاً شعبياً لا سند له إلا الذاكرة، وهي العامل الوحيد الذي اعتمد عليه نقل الأفكار".(38) وينقل بوكاي عن إدموند جاكوب قوله: "إن تناقل هذه الأقوال كان يتم إما عن طريق الأسرة، وإما عن طريق المعابد في شكل روايات لتاريخ شعب الله المختار".(39) وقد استغرقت كتابة هذه الأسفار "مدى يربو على تسعة قرون، وبلغات مختلفة، واعتماداً على التراث المنقول شفوياً، وقد صححت وأكملت أكثرية هذه الأسفار بسبب أحداث حدثت، أو بسبب ضرورات خاصة، وفي عصور متباعدة..".(40)‏
ومن الطبيعي أن يكون ذلك كله عاملاً أكيداً في وقوع التحريف والتناقض والأساطير والخرافات والأوهام، في ما أنتجته قريحة هؤلاء الكتّاب ذوي البيئات المختلفة والثقافات والميول المتضاربة، والنفوس القلقة. وهذا شيء أجمع عليه النقّاد الغربيون للعهد القديم، حيث أثبتوا بالدليل القاطع ومن أسفار هذا الكتاب نفسه ما يثبت هذه الحقيقة.‏
وعلى سبيل المثال لا الحصر عن الأوهام والتناقضات التي طفحت بها أسفار العهد القديم، ما ورد في الفقرة الثالثة من الإصحاح الثامن من سفر صموئيل الثاني من "أن داوود ذهب ليردّ سلطته عند نهر الفرات.."، ومن المؤكد أن "داوود لم يصل بسلطانه إلى الفرات، ولم يقترب منه، وأين نهر الفرات من فلسطين، وليس ذلك إلا وليد الخيال


يتبع..............
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
kamal _zb

avatar

ذكر عدد الرسائل : 31
العمر : 43
تاريخ التسجيل : 15/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: اليهودية والإسلام على ضوء التوراة والقرآن...   2008-09-15, 6:33 pm

".(41)‏
وكذا، ما ورد في الفقرة السادسة والعشرين من الإصحاح الثامن من سفر الملوك الثاني: "كان أخزيا ابن اثنتين وعشرين سنة حين ملك، وملك سنة واحدة في أورشليم واسم امه عَثَليا بنت عَمري ملك إسرائيل.." وهذا مناقض لما ورد في الفقرة الثانية من الإصحاح الثاني والعشرين من سفر أخبار الأيام الثاني: "كان أخزيا ابن اثنتين وأربعين سنة حين ملك، وملك سنة واحدة في اورشليم، واسم أمه عَثَليا بنت عُمري ملك إسرائيل.."‏
وكذا ورد في الفقرة الثامنة من الإصحاح الرابع والعشرين من سفر الملوك الثاني: "كان يهوياكين ابن ثماني عشرة سنة حين ملك، وملك ثلاثة أشهر في اورشليم.." وهذا مناقض لما ورد في الفقرة التاسعة من الإصحاح السادس والثلاثين من سفر أخبار الأيام الثاني: "كان يهوياكين ابن ثماني سنين حين ملك، وملك ثلاثة أشهر وعشرة أيام في أورشليم..".‏
وكذلك ما ورد في الفقرات الثامنة والتاسعة والحادية عشرة من الإصحاح الثالث والعشرين من سفر صموئيل الثاني: "هذه أسماء الأبطال الذين لداوود: يوشَيبَ، بَشبَثُ التحكموني رئيس الثلاثة، هو هزَّ رمحه على ثمانمائة قتلهم فعة واحدة.. وبعده أليعازر بن دودو بن أخوخي.. وبعده شَمّة بن أجي الهراري، فاجتمع الفلسطينيون جيشاً، وكانت هناك قطعة حقل مملوء عدساً..".‏
وهذا مناقض لما ورد في الفقرتين الحادية عشرة والثانية عشرة من الإصحاح الحادي عشر من سفر أخبار الأيام الأول: "وهذا هو عدد الأبطال الذين لداوود: يَشبُعام بن حكموني رئيس الثوالث، هو هزّ رمحه على ثلاثمائة قتلهم دفعة واحدة، وبعده أليعازر بن دودو الأخوخي، هو من الأبطال الثلاثة.. وقد اجتمع هناك الفلسطينيون للحرب، وكانت قطعة الحقل مملوءة شعيراً.."‏
فانظر كيف صار الثمانمائة قتيل ثلاثمائة، وكيف صار ابن دودو بن أخوخي، ابن دودو الأخوخي، وكيف انقلب العدس شعيراً..! بل ان التناقض واقع بشكل فاضح بين نصوص السفر الواحد، وكمثال على ذلك نورد ما جاء في الفقرة السابعة عشرة من الإصحاح الأول من سفر الملوك الثاني: " وملك يهورام (بن أخاب) عوضاً عنه (يعني أخاه أخزيا من السامرة) في السنة الثانية ليهورام ابن يهوشافاط ملك يهوذا.."‏
وهذا مناقض لما ورد في الفقرة السادسة عشرة من الإصحاح الثامن من السفر نفسه: "وفي السنة الخامسة ليهورام بن أخاب ملك إسرائيل ويهوشافاط ملك يهوذا، ملَك يهورام بن يهوشافاط ملك يهوذا..". إذ كيف يمكن أن يكون يهورام بن يهوشافاط قد ملَك في السنة الخامسة ليهورام بن أخاب، مع أن النص الأول يقول إن يهورام بن أخاب قد ملَك في السنة الثانية ليهورام بن يهوشافاط..!؟.‏
بل وقع التناقض بين النسخة العبرية للعهد القديم والنسخة اليونانية له في كثير من المفردات نورد منها على سبيل المثال ما جاء في الفقرة (28) من المزمور (105) في النسخة العبرية: "ولم يعصوا كلامه.." بينما جاء في النسخة اليونانية في الموضع نفسه: "وقد عصوا كلامه.."!؟. وهكذا يظهر بشكل جليّ، أن هذه الكتب "المقدسة" عندهم، لا أثر للقداسة فيها، ولا علاقة للسماء بها، ولا تعدوا أن تكون حكايات وأساطير اخترعتها أوهامهم، وكتبت بأيدي أناس أعمتهم العنصرية وتحكمت فيهم عقدة "الشعب المختار".‏
ولذا يقول موريس بوكاي، وهو من المختصين بنقد الكتب المقدسة: "لا نملك اليوم إلا النصوص التي خلّفها لنا الكتّاب الذين عالجوا هذه النصوص على سجيتهم، وحسب الظروف التي عاشوها، والضرورات التي كان عليهم مواجهتها..".(42)‏
الملاحظة الثانية: إن أسفار الأنبياء والكتب وغيرها التي يزعم أصحاب العهد القديم أن بعض أنبيائهم، أو متنبئيهم قد وضعوها استناداً إلى الوحي أو الإلهام، ونسبوها إلى أشخاص بأعيانهم، تحتوي من الدلائل والبراهين على بطلان هذا الزعم، وكذب هذه النسبة.‏
ولإلقاء الضوء، بإيجاز، على ذلك، نستند إلى ما كتبه فيلسوف يهودي عريق هو باروخ أسبينوزا (ت 1677 م) الذي كان "أعظم يهودي في الأزمنة الحديثة، وأعظم الفلاسفة في العصر الحديث، طفلاً في الثامنة من عمره، حيث كان التلميذ المحبوب المفضل في الكنيس..".(43)‏
هذا الفيلسوف اليهودي، ألّف رسالة في اللاهوت والسياسة، وضمّنها – في ما ضمّنها – آراءه النقدية لأسفار العهد القديم، وكانت سبباً في رميه بالهرطقة والزندقة والضلال من قبل كبار رجال الكنيس اليهودي في هولندا حيث كان يقيم عام 1656 م، وإصدارهم القرار "بموافقة أعضاء المجلس على إنزال اللعنة والحرمان بالمدعو أسبينوزا وفصله عن شعب إسرائيل، وإنزال الحرم به.. مع اللعنات الآتية بقرار الملائكة وحكم القديسين.. وليكن مغضوباً وملعوناً نهاراً وليلاً، وفي نومه وصبحه، ملعوناً في ذهابه وإيابه، وخروجه ودخوله.. وأن لا يتحدث معه أحد بكلمة، أو يتصل به كتابة، وأن لا يقدم له أحد مساعدة أو معروفاً، وأن لا يعيش أحد معه تحت سقف واحد، وأن لا يقترب أحد منه على مسافة أربعة أذرع، وأن لا يقرأ أحد شيئاً جرى به قلمه أو أملاه لسانه..".(44)‏
ويبحث أسبينوزا في رسالته بحثاً علمياً مستنداً إلى النصوص في "أسفار الأنبياء" في العهد القديم، ليستخلص منها الأدلة الدامغة على أن من نُسبت إليهم هذه الأسفار من الأنبياء المزعومين أو الحقيقيين، بريئون منها. فيقول عن سفر يشوع، مثلاً: " إن هذا السفر كتب بعد يشوع بقرون عديدة..".(45)‏
وعن سفر القضاة يقول: "لا أظن أن شخصاً سليم العقل يعتقد أن القضاة أنفسهم قد كتبوه، لأن نهاية الرواية تكشف بوضوح أن مؤرخاً واحداً هو الذي كتبه كله من أوّله إلى آخره، إذ جاء فيه: "وفي تلك الأيام لم يكن لبني إسرائيل ملك، وكان كل إنسان منهم يعمل ما حَسُنَ في عينيه".(46) ولما كان مؤلفه يكرر دائماً أنه "لم يكن هناك في عصره أي ملك لإسرائيل، فلا شك أنه لم يُكتب إلا بعد أن كان لبني إسرائيل ملوك".(47)‏
ومقصود أسبينوزا، لفت الأنظار إلى أن عهد الملوك لبني إسرائيل، ابتدأ بعد زوال عهد القضاة. وهكذا سار أسبينوزا مع الأسفار حتى سفر الملوك الثاني، مفنّداً أسطورة نسبتها لمن نسبت إليه، وخلص إلى نتيجة حاسمة أثبتها بقوله: "وبذلك تنتهي إلى أن كل الأسفار التي عرضنا لها، حتى الآن، قد كتبها آخرون غير الذين تحمل هذه الأسفار أسماءهم".‏
بل ذهب إلى أن الذي كتب هذه الأسفار شخص فقال: "إذا نظرنا إلى تسلسل الأسفار كلها وإلى محتواها، رأينا بسهولة أن الذي كتبها مؤرخ واحد أراد أن يروي تاريخ إسرائيل القديم منذ نشأتهم حتى هدم المدينة (أورشليم) لأول مرة".(48)‏
والذي يظهر من كلمات أسبينوزا في رسالته(49) حول هذه النقطة الأخيرة، أنه يميل إلى كون هذا المؤرخ عيزرا الورّاق، أو عيزرا هو سفير، بمعنى الناسخ. ثم يسترسل أسبينوزا في محاكمة بقية أسفار العهد القديم، فعن سفري أخبار الايام الأول والثاني يقول: "وأنا لا أعلم شيئاً يقينياً عن مؤلفيها الحقيقيين وعن السلطة التي يجب الاعتراف بها لها، وعن فائدتها، والعقيدة التي تعرضها بل إني لأعجب كيف أُدخِلَت هذه الأسفار في عداد الكتب المقدسة..". (50)‏
ويستشهد بكلام الفيلسوف الاسكندري اليهودي فيلون(51) على أن سفر المزامير قد جٌمعت فصوله وقسّمت إلى خمسة أسفار بعد إعادة بناء الهيكل. وفي هذا الوقت – حسب رأي أسبينوزا – قد جٌمع سفر الأمثال. ويستنتج من الخلط الموجود في سفر أرمياء تعدد الأشخاص الذين كتبوه: "ولا يوجد سبب آخر – عنده – يفسّر هذا الخلط".(52) وعن سفر حزقيال يقول: "إنه شذرة باقية من كتاب..".(53) ويجزم بأن سفر هوشع كان أطول مما هو عليه الآن. ويؤكد بأن الأسفار الأربعة: عزرا، نحميا، أستير، دانيال، هي لمؤلف واحد، وإن كان لا يستطيع حتى مجرد التخمين به.(54)‏
الملاحظة الثالثة: إن هذه الأسفار تتناقض مع تعاليم واردة في التوراة التي يزعم ويجزم أتباع العهد القديم من اليهود والنصارى أنها هي التي أنزلها الله على موسى، (وسوف نعود إلى بحث نصيب هذا الزعم من الحقيقة) وغرضنا في هذه النقطة، تجلية مسألة جوهرية ومهمة هي: أن هذه التوراة هي – وفق معتقدهم – كلام الله، فكيف يمكن لأنبيائهم ومتنبئيهم ممن عنونت هذه الأسفار بأسمائهم أن يجوّزوا لأنفسهم مخالفة كلام الترواة المنزل من عند الله، بزعمهم؟!. وللتدليل على ما ادّعيناه من تناقض نورد على سبيل المثال لا الحصر بعض نماذج منه.‏
جاء في الفقرة السادسة من الإصحاح السابع من سفر أخبار الأيام الأول: "لبنيامين: بالَعُ، وباكَرُ، ويديعَئيل، ثلاثة" بينما جاء في الفقرة الأولى من الإصحاح الثاني من السفر نفسه: "وبنيامين، وَلَد بالَعَ، بكُرهُ، وأَشبيل: الثاني، وأَخرَخ: الثالث، ونوحَةَ: الرابع، ورافا: الخامس". وكل ما جاء في الفقرتين الآنفتين معاً، يناقض ما جاء في الفقرة الجادية والعشرين من الإصحاح السادس والأربعين من سفر التكوين: "وبنو بينامين: بالَعَ، وباكَر، وأَشبيلُ، وجيرا، ونعمان، وإيحي، وروش، ومفّيم، وحُفّيم، وأرد". فأولاد بنيامين بمقتضى النص الأول: ثلاثة وبمقتضى النص الثاني: خمسة، وبمقتضى النص التوراتي في سفر التكوين هم: عشرة؟!!!‏
وكذلك نجد ما ورد في فقرات متعددة من الإصحاحين الخامس والأربعين والسادس والأربعين من سفر حزقيال، تتناقض في أحكامها مع ما ورد في عدد من فقرات الإصحاحين الثامن والعشرين والتاسع والعشرين من سفر العدد، ولتأكيد ما قلناه نذكر، على سبيل المثال، نص الفقرة الثالثة من الإصحاح الثامن والعشرين من سفر العدد: "وقل لهم: هذا هو الوقود الذي تقرّبون للرب: خروفان حوليان صحيحان لكل يوم محرقة دائمة، الخروف الواحد تعمله صباحاً، والخروف الثاني تعمله بين العشائين، وعُشرُ الإيفة من دقيق ملتوت بربع الهين من زيت الرضّ تقدمة محرقة دائمة".‏
بينما جاء في الفقرات الثالثة عشرة إلى الخامسة عشرة من الإصحاح السادس والأربعين من سفر حزقيال: "حَمَلاً حولياً صحيحاً، صباحاً صباحاً تعمله، وتعمل عليه تقدمة صباحاً صباحاً سدس الإيفة، زيتاً ثلث الهين لرش الدقيق، تقدمة للرب فريضة أبدية دائمة، ويعملون الحمل والتقدمة والزيت صباحاً صباحاً محرقة دائمة.".‏
بعد كل ذلك، هل يصح أن يقال بأن السفار هذه هي من الله بوحي أو إلهام؟!..‏
يقول ويل ديورانت جازماً: "إن أنبياء العهد القديم كانوا مجرد عرّافين ومنجمين بالصدفة. إنهم كانوا في حقيقة أمرهم اناساً ساخطين على الحاضر أكثر منهم متنبئين بالمستقبل.. كان عاموس (وهو صاحب سفر من هذه الأسفار، حوالي سنة 760 ق.م.) في عداد هؤلاء الأنبياء، لم يدّعَ قط أنه نبي، بل مجرد راعٍ قروي بسيط..".(55)‏
وأما بالنسبة للقسم الثاني من هذا البحث، فهو يدور حول التوراة الرسمية المعترف بها من قبل اليهود والنصارى، فنورد الملاحظات التالية، بعد التأكيد على أننا نحن كمسلمين، نعتقد اعتقاداً جازماً بأن الله سبحانه وتعالى قد أنزل التوراة على نبيّه موسى (ع)، وقد طفح القرآن الكريم بالآيات الناصّة على ذلك.‏
فقد قال تعالى: "نزّل عليك الكتاب بالحق مصدّقاً لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل..".(56) "..ويعلّمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل..".(57) "ومصدّقاً لما بين يديّ من التوراة والإنجيل..".(58)‏
"يا أهل الكتاب لِمَ تحاجّون في ابراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده..".(59)‏
"كل الطعام كان حِلاًّ لبني إسرائيل إلا ما حرّم إسرائيل على نفسه من قبل أن تُنَزّل التوراة..".(60) "ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أُنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم..".(61)‏
".. قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم..". (62) "..وإذ علّمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل..". (63)إلى غير ذلك من الآيات.‏
ولكن، هل ما هو موجود الآن من التوراة هو عينه ما أنزله الله على موسى (ع) ؟.. هذا ما يعتقده كل من اليهود والنصارى، فهو عندهم كتاب وحيٍ سماوي كتبه موسى بيده؟!! ونحن نريد أن نفحص عن ماهية هذه الدعوى، وحقيقة هذه التوراة بكل تجرّد وموضوعية لنرى إن كان ما يدّعيه هؤلاء ويعتقدونه صحيحاً أو لا، وذلك ضمن النقاط التالية:‏
1- التوراة من حيث الثبوت والسند.‏
إن توصيف كتابٍ ما بأنه سماوي موحى به من الله مشروط بحصول أمرين:‏
الأول: أن يقوم دليل قطعي يثبت صدوره عن الله تعالى، وتبليغه بالوحي إلى نبيّه، الذي كتبه بمقتضى ذلك الوحي، أو حفظه كما أُنزل عليه وقرأه على الناس.‏
الثاني: أن ينقل عن ذلك النبي بسند متصل بطريق التواتر في كل عصر من العصور اللاحقة، وتتلقاه الكافة بالقبول والتسليم ، وإنما اشترطنا التواتر في نقله، لأنه من الأمور الخطيرة التي تهم كل الناس، فهو مما تتوافر الدواعي على نقله، وما كان هذا شأنه، لا بد من نقله بالتواتر.(64) والتواتر يفيد العلم الضروري بمضمونه عند أكثر العلماء.(65)‏
ولازم كون التواتر مفيداً للعلم الضروري بمؤداه، عدم اعتبار الظن في إثبات دعوى أن كتاباً ما هو كتاب موحى به من عند الله، كدعوى نسبته إلى نبي من أنبيائه. فهل يا ترى، توفر واحد من هذين الشرطين، فضلاً عن كليهما، في ما يخص الأسفار الخمسة المزعومة للتوراة الرسمية؟.. إننا لن نغرق في بحث ذلك، بل نترك لبعض كبار علماء اليهود والنصارى، ومحققيهم مّمن عرف عنهم طول الباع في نقد أسفار العهد القديم بشكل عام، وأسفار التوراة بشكل خاص، مهمة الإدلاء بآرائهم حول ذلك.‏
من المتيقن، أنه منذ القرن الأول قبل الميلاد وقع الخلاف بين علماء اليهود أنفسهم حول صحة كتابة موسى لهذه الأسفار، مما حدا بفلافيوس جوزيف، ونيلون الإسكندري للدفاع عن صحة نسبتها إليه.(66) وفي القرن الثاني عشر نجد الحبر اليهودي الغرناطي ابراهيم بن عيزرا يرفض صحة نسبة التوراة إلى موسى.(67)‏
ويشير موريس بوكاي إلى أن نسبة التوراة إلى موسى ما هي إلا "خرافة" تمتعت بالتأييد بحيث كان من الصعب دحضها. (68) وينقل بوكاي عن الأب "ديفو" في مقدمة ترجمته لسفر التكوين عام 1962، التي احتوت على حجج قيّمة تناقض الدعاوى الخاصة بأبوّة موسى للتوراة، بأن التراث اليهودي كان مقبولاً حتى نهاية القرون الوسطى، وكان ابن عيزرا هو الرافض لهذه الدعوى. ويذكر عن الأب "ديفو" سرده لعدد من النقّاد الذين يرفضون أبوّة موسى على الأقل لجزء من هذه الأسفار.(69)‏
وفي أوائل القرن السادس عشر، أعلن بودنشتاين أن مؤلف الأسفار الخمسة مجهول. وفي أواخر القرن السابع عشر، برز ريتشارد سيمون ليؤكد في كتابه "التاريخ النقدي لنصوص العهد القديم" على "الصعوبات الخاصة بتسلسل الأحداث، والتكرارات وفوضى الروايات، وفوارق الأسلوب في أسفار موسى الخمسة".(70)‏
وفي منتصف القرن الثامن عشر، نشر جان أستروك ، طبيب لويس الخامس عشر، دراسة حول مصارد التوراة. وتبعه في الفترة الزمنية نفسها كل من "إيخهورن" و"إيلجن" ليؤكدوا وجود عدة مصادر متنافرة للأسفار الخمسة للتوراة، وخاصة سفر التكوين منها، وأن هذه المصادر قد ابتدأ وضعها منذ القرن السادس قبل الميلاد، أي بعد عصر موسى بمئات السنين. "وبهذا يتضح تكوّن كتاب أسفار موسى الخمسة من اقوال موروثة مختلفة، جمعها بشكل يقلّ أو يزيد حذقاً، محرّرون وضعوا تارة ما جمعوا جنباً إلى جنب، وطوراً غيّروا في شكل هذه الروايات بهدف إيجاد وحدة مركّبة، تاركين للعين أموراً غير معقولة، وأخرى متنافرة".(71)‏
ومن أبرز الفلاسفة اليهود، الذين نفوا نسبة التوراة إلى موسى، باروخ اسبينوزا من أعلام القرن السابع عشر، حيث جزم بأنها بأنها إنما كتبت من قبل شخص آخر جاء بعد موسى بقرون عديدة.(72) وقدّم البراهين القطعية من نفس هذه التوراة المزعومة على مدّعاه. ولمجرد الاستشهاد، نذكر طرفاً منها.‏
جاء في الفقرة الرابعة عشرة من الإصحاح الرابع عشر من سفر التكوين: "إن ابراهيم ومعه مائة وثمانية عشر من المقاتلين، تبع أعداءه ممن سبى ابن أخيه لوطاً إلى دان..". ويقول اسبينوزا: "ودان هو اسم لم تأخذه المدينة التي تحمله إلا بعد موت يشوع بمدة طويلة. ومن المعلوم أن يشوع هذا كان خليفة موسى". ويدلّل على رأيه بما ورد في الفقرة التاسعة والعشرين من الإصحاح الثامن عشر من سفر القضاة حيث ورد فيها: "ودَعَوا (73) اسم المدينة دان باسم دان أبيهم الذي ولد لإسرائيل، ولكن اسم المدينة أولاً لايِش


يتبع...............
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
kamal _zb

avatar

ذكر عدد الرسائل : 31
العمر : 43
تاريخ التسجيل : 15/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: اليهودية والإسلام على ضوء التوراة والقرآن...   2008-09-15, 6:34 pm

".(74)‏
كما يذكر اسبينوزا أن "طريقة الكلام والشواهد، ومجموع نصوص القصة تدعو إلى الاعتقاد بأن موسى لم يكتب هذه الأسفار، بل كتبها شخص آخر". (75) ويقصد اسبينوزا بالشواهد وطريقة الكلام في أسفار التوراة المزعومة، أن الكاتب يتكلم عن موسى بصيغة الغائب. مع أن من المفروض – لو كان موسى هو الكاتب – أن تكون الصيغة للمتكلم، لأنها أشد اعتباراً وآكد في الحجية، وذلك مثل ما جاء في الفقرة الثالثة والستين من الإصحاح السادس والعشرين من سفر العدد: "هؤلاء هم الذين عدّهم موسى وأليعازر الكاهن حين عدّا بني إسرائيل في عربات موآب.." وما جاء في الفقرة الرابعة عشرة من الإصحاح الحادي والثلاثين من السفر نفسه: "فسخط موسى على وكلاء الجيش.. إلخ".‏
وما جاء في الفقرة الأولى من الإصحاح الثالث والثلاثين من سفر التثنية: "..موسى رجل الله.." وغالب ما جاء في الإصحاح الرابع والثلاثين من سفر التثنية (وهو آخر أسفار التوراة): "وصعد موسى من عربات موآب إلى.. فمات هناك موسى عبد الرب في أرض موآب حسب قول الرب، ودفنه في الجواء في أرض موآب مقابل بيت فغور، ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم. وكان موسى ابن مائة وعشرين سنة حين مات.. فبكى بنو إسرائيل موسى في عربات موآب ثلاثين يوماً، فكملت أيام بكاء مناحة موسى.. ويشوع بن نون كان قد امتلأ روح حكمة. إذ وضع موسى عليه يديه، فسمع له بنو إسرائيل، وعملوا كما أوصى الرب موسى.. ولم يقم بعدُ نبي في إسرائيل مثل موسى الذي عرفه الرب وجهاً لوجه..".‏
فأنت ترى بأن هذه الشهادات، لم يكن من المعقول أن يتفوّه بها موسى بعد موته، فيزكّي نفسه بأنه أعظم من أي نبي أتى بعده، أو أن يتحدث عن مناحة بني إسرائيل عليه ثلاثين يوماً بعد موته، ولا أن يتحدث عن مجهولية مكان قبره (إلى هذا اليوم). وإنما كل ذلك كان من وضع شخص آخر أتى بعده بمدة طويلة، اطّلع على أخبار زمانه من خلفه من (أنبياء) وقارن بينه وبينهم.‏
كل ذلك، دفع كثيراً من نقّاد التوراة، ومنهم كارلشتاد (76) إلى القول باستحالة أن يكون موسى قد كتب بنفسه كيف مات. بل أن فرض كتابة موسى للتوراة، قد هجر هذا اليوم تماماً، والكل يتفق على تلك النقطة.(77) ثم يذهب اسبينوزا إلى أن التأمل في بعض نصوص هذه التوراة الرسمية يتحفنا بما يزيد الصورة وضوحاً.‏
ففي الفقرة الرابعة عشرة من الإصحاح الحادي والعشرين من سفر العدد ما نصه: "لذلك يقال في كتاب (78) حروب الرب.." إلخ فيتساءل اسبينوزا "أين هو كتاب حروب الرب هذا؟".‏
وفي الإصحاح الحادي والثلاثين من سفر التثنية، ورد أنه عندما كمّل موسى كتابة هذه التوراة في كتاب إلى تمامها، أمر موسى اللاويين بأن يجمعوا إليه كل شيوخ الأسباط والعرفاء، لينطق على مسامعهم بهذه الكلمات، فنطق موسى في مسامع كل جماعة إسرائيل بهذه الكلمات. ويؤكد اسبينوزا، على ضوء ذلك، أن التوراة التي كتبها موسى، كانت من حيث الكم بمكان بحيث أمكن قراءتها في اجتماع واحد مع فهم جميع السامعين لما فيها، وهذا يعني أن التوراة الأصلية ليست هي هذه الأسفار الحالية.(79)‏
ومما يؤكد حقيقة أن توراة موسى المنزلة عليه، كانت من ضآلة الكم وصغر الحجم إلى حد كبير، ما ورد في الفقرتين العشرين والحادية والعشرين من الإصحاح الثامن من سفر يشوع، من أن يشوع، بعد أن انتصر على ملك "عاي" ودمّر مدينته "بنى مذبحاً للرب في جبل عيبال كما هو مكتوب في سفر توراة موسى، مذبح حجارة.. وكتب هناك على الحجارة نسخة توراة موسى التي كتبها أمام بني إسرائيل.. وبعد ذلك قرأ جميع كلام التوراة حسب ما كتب في سفر التوراة، لم تكن كلمة من كل ما أمر به موسى لم يقرأها يشوع قدّام كل جماعة إسرائيل والنساء والأطفال والغريب السائر في وسطهم".‏
وأيضاً ما ورد في الإصحاح السابع والعشرين من سفر التثنية، من الفقرة الأولى حتى الفقرة الثامنة، ومما جاء في الفقرة الخامسة: "وتبني هناك مذبحاً للرب إلهك من حجارة لا ترفع عليها حديداً، من حجارة صحيحة تبني مذبح الرب إلهك..". ومما جاء في الفقرة الثامنة: "وتكتب على الحجارة جميع كلمات هذا الناموس نقشاً جيداً".‏
وهنا نتساءل: لو أن ما هو موجود الآن من التوراة بأسفارها الخمسة هي التي أنزلت على موسى، فهل كان من الممكن نقشها على أحجار ذلك المذبح المعدودة المحدودة، وهل كان يمكن ليشوع أن يقرأها بكل كلمة منها في موقف واحد أمام جموع بني إسرائيل في ذلك اليوم؟!.‏
ويخلص اسبينوزا إلى نتيجة حاسمة فيقول: "وأخيراً، لما كانت توجد نصوص كثيرة في الأسفار الخمسة يستحيل أن يكون موسى كاتبها، فإن أحداً لن يستطيع أن يؤكد عن حق، أن موسى هو مؤلف هذه الأسفار الخمسة، بل على العكس، يكذّب العقل هذه النسبة".(80) ويرجّح اسبينوزا، هنا أيضاً، أن عيزرا الورّاق هو الذي كتب هذه الأسفار، ويورد مناشئ هذا الترجيح.(81)‏
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن كون كاتب هذه الأسفار هو عيزرا الورّاق، مما جزم به ابن حزم الأندلسي قبل اسبينوزا بحوالي ستة قرون، وذلك في كتابه "الفصل في الملل والأهواء والنحل".(82) مبرهناً على ذلك ببراهين وحجج استلّها من مضمون هذه الأسفار أيضاً، وعندما نقارن بينها وبين ما أورده اسبينوزا من حجج على ترجيحه المتقدم يبدو بشكل واشح التشابه بل التطابق في أكثرها، ولا تفسير لذلك في نظري إلا أن اسبينوزا كان قد اطّلع على آراء ابن حزم وتأثر بها واقتنع بمنطقيتها فنقلها عنه، خاصة إذا عرفنا أن اسبينوزا عاش في أوروبا وفي هولندا بالذات، وابن حزم عاش ومات في الأندلس، وهي أيضاً في أوروبا، ولا تفصلها عن هولندا مسافة كبيرة. أدركنا إمكانية انتقال ثقافة أو فكر وبشكل سهل بين قارتين، فضلاً عما لو كان الانتقال، كما في حالتنا هذه، بين قطرين من قارة واحدة، خاصة مع طول المدة الزمنية التي سبق فيها ابن حزم وجوداً الفيلسوف اسبينوزا، والتي أشرنا إلى أنها تمتد لستة قرون إن لم نزد على ذلك.‏
وإلى ما توصل إليه ابن حزم واسبينوزا من بعده، توصّل أيضاً أبو المعالي الجويني(83) المعاصر تقريباً لابن حزم، وذلك في كتابه(84) "شفاء الغليل في بيان ما وقع في التوراة والإنجيل من التبديل". وهو ما قرّره أيضاً السموأل بن يحي المغربي(85) في كتابه "إفحام اليهود" ومما قاله: "لا يعتقد أحد من علماء اليهود وأحبارهم البتّة أن هذه التوراة التي بأيديهم هي المنزلة على موسى".(86)‏
ومع كل هذا الكم الذي أوردناه هنا على سبيل المثال لا الحصر، وغيره كثير، من نفي أحبار اليهود والنصارى، وغيرهم من الباحثين مسلمين وغيرهم في تاريخ التوراة بشكل خاص، والعهد القديم بشكل عام، هل يبقى يقين في ثبوت سند هذا الكتاب بمجموعه، وهل يبقى قطع بأبوة موسى عليه السلام لهذه التوراة المزعومة؟! ولعلّه لكل ذلك، قال موريس بوكاي: "وبهذا تفتت تماماً كتاب أسفار موسى الخمسة".(87)‏
2- التوراة الرسمية والمتناقضات وغير المعقول‏
يقول أحد النقّاد (88) للتوراة: "من زاوية المنطق، يمكن أن نتبيّن عدداً كبيراً من المتناقضات والأمور الغير المعقولة في التوراة" وقد صدق في ما قال. أما في ما يتعلّق بالمتناقضات فنذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، ما جاء في الفقرة الثالثة من الإصحاح السادس من سفر التكوين: "فقال الرب لا يدين روحي في الإنسان لزيغانه، هو بشر وتكون أيامه مائة وعشرين سنة". وهذا يتناقض مع ما ورد في ثلاثة وعشرين فقرة من الإصحاح الحادي عشر من السفر نفسه حيث تنص على أن سام عاش ستمائة سنة، وعاش ولده "أرفكشاد" أربعمائة وثمان وثلاثين سنة، وعاش شالح بن أرفكشاد أربعمائة وثلاثاً وثلاثين سنة، وهكذا إلى آخر مواليد سام.‏
وما ورد في الفقرة الثالثة عشرة من الإصحاح الخامس عشر من سفر التكوين: "فقال الرب لإبراهيم إعلم يقيناً أن تنسلك سيكون غريباً في أرض ليست لهم، ويستعبدون لهم فيذلونهم أربع مائة سنة.." والمقصود بأرض الغربة والذلة أرض مصر. ثم جاء في الفقرتين الأربعين والحادية والأربعين من الإصحاح الثاني عشر من سفر الخروج: "وأما إقامة بني إسرائيل التي أقاموها في مصر فكانت أربعمائة وثلاثين سنة، وكان عند نهاية أربعمائة وثلاثين سنة في ذلك اليوم عينه..".‏
ومن أمثلة التناقض في هذا الكتاب المزعوم ما جاء في الفقرتين الثالثة عشرة والرابعة عشرة من الإصحاح الثالث من سفر الخروج: "..فقال موسى لله.. فإذا قالوا لي ما اسمه فماذا أقول لهم؟ فقال الله لموسى: أَهْيَه الذي أَهْيَه، وقال تقول لبني إسرائيل أَهْيَه الذي أرسلني إليكم". وجاء في الفقرة الخامسة عشرة من الإصحاح نفسه والسفر نفسه: "وقال الله أيضاً لموسى هكذا تقول لبني إسرائيل: يَهْوَه إله آبائكم، إله ابراهيم وإله اسحق وإله يعقوب، أرسلني إليكم، هذا اسمي إلى الأبد.."‏
واسم يهوه ايضاً، جاء في الفقرة الثامنة عشرة من المزمور الثالث والثمانين، وفي الفقرة الثالثة عشرة من الإصحاح الرابع، وفي الفقرة الثامنة من الإصحاح الخامس، وفي الفقرة السادسة من الإصحاح التاسع من سفر عاموس. ثم جاء في الفقرة الثالثة من الإصحاح السادس من سفر الخروج: "وأما اسمي يهوه فلم أُعرف عندهم". وجاء في الفقرة الأولى من الإصحاح السابع عشر من سفر التكوين: "ولما كان أَبرام ابن تسع وتسعين سنة، ظهر الرب لإبراهيم وقال له: انا الشدّاي سر أمامي وكن كاملاً".‏
وقد ترجمت كلمة "الشدّاي" (89) في النسخة الكاثوليكية من "الكتاب المقدس" بعبارة "الله القدير"، وحذفت كلمة "الشدّاي" اعتقاداً من المترجمين بأن هذه الكلمة مأخوذة من شدّ يشدّ المستبطن لمعنى القدرة والقوة؟! فأنت ترى كيف تناقضت نصوص هذه التوراة حتى في اسم الإله على لسان هذا الإله نفسه، حيث ينفي هو اسمه الذي أوصى به ابراهيم قبل بضع كلمات، فما اسم هذا الرب الإله: يهوه، أم أَهْيَه، أم الشدّاي، أم الله القادر؟!. وصدق الله حيث يقول: "ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً".(90)‏
وأما في ما يتعلق بالأمور غير المعقولة في هذه التوراة الرسمية، فإننا نورد لها أيضاً بعض الشواهد على سبيل المثال لا الحصر. ففي الفقرات من الثالثة إلى السادسة من الإصحاح الأول من سفر التكوين: "وقال الله ليكن نور فكان نور، ورأى الله النور أنه حسن، وفصل الله بين النور والظلمة، ودعا الله النور نهاراً، والظلمة دعاها ليلاً، وكان مساء وكان صباح يوماً واحداً".‏
فمن المعلوم "أن الضوء الذي يقطع الكون هو نتيجة ردود أفعال معقّدة تحدث في النجوم، ولكن النجوم حسب قول التوراة، لم تكن قد تشكلت بعد في هذه المرحلة، حيث إن أنوار السماوات لا تذكر في سفر التكوين إلا في الفقرة الرابعة عشرة باعتبارها ما خلق الله في اليوم الرابع.. ومن غير المنطقي أن تذكر النتيجة الفعلية (أي النور) في اليوم ألأول، على حين تذكر وسيلة إنتاج هذا النور أي النجوم المنيرة في اليوم الرابع".(91)‏
يضاف إلى ذلك، أن الليل والنهار، باعتبارهما عنصرين ليوم، غير معقولين إلا بعد وجود الأرض، ودورانها تحت ضوء نجميها الشمس والقمر، مع أن التوراة الرسمية تصرّح في الفقرة العاشرة من الإصحاح الأول نفسه من السفر نفسه بأن الأرض خلقت في اليوم الثالث؟! ومن ذلك ما جاء في الفقرات من الحادية عشرة وحتى الثالثة عشرة من الإصحاح والسفر نفسيهما: "وقال الله لتنبت الأرض عشباً وبقلاً يبزر بزراً وشجراً ذا ثمر يعمل ثمراً كجنسه بزره فيه علىالأرض، وكان كذلك، فأخرجت الأرض عشباً وبقلاً.. إلخ".‏
فكيف يعقل أن توجد حياة نباتية على الأرض تنمو وتثمر وتتوالد في اليوم الثالث، من دون وجود شمس في الكون؟! حيث تنص التوراة الرسمية، كما تقدم، على أنها لم تخلق إلا في اليوم الرابع. أضف إلى ذلك، أنه كيف يمكن أن يوجد صباح ومساء في الأيام الثلاثة الأولى كما تكرر التوراة هذه قبل اليوم الرابع الذي خلقت فيه الشمس وكذلك القمر؟!‏
ومن ذلك ما جاء في الفقرات من العشرين إلى الثالثة والعشرين من الإصحاح نفسه من سفر التكوين، من أن الله خلق أول ما خلق حيوانات البحر والطيور في اليوم الخامس، في حين نصّت الفقرات من الرابعة والعشرين إلى الحادية والثلاثين من هذا الإصحاح على أن الله خلق حيوانات الأرض بما فيها الإنسان في اليوم السادس بعد ظهور الطيور. مع أن المعتقد علمياً (92) أن الطيور جاءت من الحيوانات الأرضية "وهي فئة خاصة من الزواحف تسمى (pseudo – suchiens) كانت تعيش في العصر الثاني، وهناك كثير من السمات البيولوجية المشتركة بين هاتين الفئتين، التي تسمح بهذا الاستنتاج، وعليه فنظام ظهور الحيوانات الأرضية والطيور هذا في التوراة الرسمية غير مقبول علمياً.‏
ومن ذلك ما جاء في الفقرات من السادسة حتى الثامنة: "وقال الله ليكن جَلَد في وسط المياه، وليكن فاصلاً بين مياه ومياه، فعمل الله الجَلَد وفصل بين المياه التي تحت الجَلَد والمياه التي فوق الجَلَد وكان كذلك، ودعا الله الجَلَد سماءٍ.. إلخ". "فأسطورة المياه هنا تستمر بانفصالها إلى طبقتين بواسطة الجلد، الذي سيجعل الطبقة العليا عند الطوفان تنفذ من خلاله لتنصب على الأرض، إن صورة انقسام المياه هذه إلى كتلتين غير مقبولة علمياً".(93)‏
ومن جملة الأمور غير المعقولة في هذه التوراة الرسمية، ما ورد في الفقرات من العاشرة إلى الرابعة عشرة من الإصحاح الثاني من سفر التكوين، حيث نُصّ فيها على أن نهري دجلة (حِدّا قِل) وهو الجاري شرقي أشور، والفرات هما فرعان لنهر ينبع من عدن (94) فكيف يعقل هذا ؟! مع أن من المقطوع به تاريخياً وجغرافياً أن نهر دجلة ينبع من أرمينيا، بينما ينبع نهر الفرات من تركيا، فهما – حتى اليوم – نهران قائمان برأسيهما، وليسا فرعين من نهر آخر؟!.‏
3- التوراة الرسمية والذات الإلهية‏
عندما ننظر في سفر التكوين – فقط – كمثال من التوراة الرسمية، نجد أنها تسِم الذات الإلهية بالتعب والعناء كأي مخلوق، ولذا فقد احتاج بعد إكماله خلق السماوات والأرض وما فيهما ومن فيهما إلى الراحة ؟! فقد جاء في الفقرة الثانية من الإصحاح الثاني من سفر التكوين: "وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل، فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل..".‏
كما تنسب إلى هذا الإله الكذب والخداع، فقد جاء في الفقرتين السادسة عشرة والسابعة عشرة من الإصحاح نفسه: "وأوصى الرب الإله آدم قائلاً: من جميع شجر الجنة تأكل أكلاً، وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها، لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت..". ثم جاء في الفقرتين الرابعة والخامسة من الإصحاح الثالث: "فقالت الحية للمرأة (حواء): لن تموتا، بل الله عالم إنه يوم تأكلون منه تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين الخير والشر.." وفعلاً، قد أكلا منها ولم يموتا.‏
ومعنى ذلك، أن الله كذب على آدم، واستعمل معه أسلوب الخداع، عندما أخبره بأنه سوف يموت إذا هو أكل من هذه الشجرة، وأن الحية (التي هي إبليس)(95) كانت أنصح لآدم وحواء وأصدق من الله حيث أخبرت حواء بأنهما لن يموتا إذا أكلا من الشجرة.‏
إشكال ودفع:‏
قد يقال إن المقصود بالموت هنا هو الموت المعنوي وليس المادي، والجواب أن نتيجة الأكل من الشجرة، بنص التوراة، كانت معرفتهما للخير والشر كاللخ، وهذا تعميق للحياة الروحية وتصعيد لها، وليست من الموت مادياً أو معنوياً. كما أن هذه التوراة الرسمية تنسب إلى الله الجهل. فقد وردت في الفقرات من الثامنة إلى الحادية عشرة ما نصّه: "وسمعا (يعني آدم وحواء) صوت الرب الإله ماشياً في الجنة عند هبوب ريح النهار، فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب في وسط شجر الجنة، فنادى الرب الإله آدم وقال له: اين أنت؟ فقال: سمعت صوتك في الجنة فخشيت لأني عريان فاختبأت. فقال: من أَعْلَمك أنك عريان؟ هل أكلت من الشجرة التي وصّيتك أن لا تأكل منها؟ فقال آدم: المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني من الشجرة فأكلت.. إلخ".‏
ففي هذا النص ما يدل على أن هذا الرب الإله في التوراة الرسمية كان يجهل موضع تواجد آدم وحواء اللذين اختبآ منه كي لا يراهما، وأنه لم يكن يعلم بعريهما إلا بعد إخبار آدم له أنهما أكلا من الشجرة. كما أن هذا الرب الإله هو جسم يمشي في الجنة، ولمشيه وقع أقدام البشر. وتصوّر التوراة الرسمية هذا الرب الإله بأنه جبان يخاف من بني الإنسان فينتقم، وضعيف يجبره ضعفه باتخاذ حراس لما يخشى أن يصل إليه أحد منهم.‏
فقد جاء في الفقرات من الثانية والعشرين إلى الرابعة والعشرين من الإصحاح الثالث من سفر التكوين: "وقال الرب الإله: هوذا الإنسان قد صار كواحد منّا عارفاً الخير والشر، والآن لعلّه يمد يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضاً ويأكل ويحيا إلى الأبد، فأخرجه الرب الإله من جنة عدن ليعمل الأرض التي أُخذ منها، فطرد الإنسان واقام شرقي جنة عدن الكروبيم، ولهيب سيف متقلّب لحراسة طريق شجرة الحياة..".‏
ولا بد من التنبيه هنا، إلى تناقض هذا الإله على نفسه، إذ كانت قد أخبرت هذه التوراة الرسمية في الفقرة الرابعة عشرة، قبل هذه الفقرات، أن الرب الإله قال لآدم: "لأنك تراب وإلى التراب تعود"، ومعه، فكيف يخشى إن هو أكل من شجرة الحياة أنه يحيا إلى الأبد ؟!. كما لا بد من التوقف عند قول هذا الرب الإله: "هوذا الانسان قد صار كواحد منا" بصيغة الكثرة، فهل يعني ذلك وجود شركاء لهذا الإله في الألوهية؟! هذا أولاً، وثانياً: هل يعني ذلك أن الفرق بين الخالق والمخلوق هو معرفة الخير والشر؟ فكل من عرفهما انقلب إلهاً؟!‏
وإله التوراة الرسمية أيضاً يحزن ويتأسف ويندم على ما فعله، فينقضه بالانتقام والتدمير. فقد جاء في الفقرات من الخامسة وحتى السابعة من الإصحاح السادس من سفر التكوين: "ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض، وأن كل تصور أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم، فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض. وتأسف في قلبه، فقال الرب أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقته، الإنسان مع بهائم ودبابات وطيور السماء لأني حزنت أني عملتهم".‏
كما أن هذا الإله المزعوم يأمر بالفحشاء والمنكر، فقد جاء في الفقرتين الثانية والثالثة من الإصحاح الأول من سفر هوشع: "أول ما كلّم به الرب هوشع قال الرب لهوشع: إذهب خذ لتفسك امرأة زنى وأولاد زنى، لأن الأرض قد زنت زنى تاركة الرب. فذهب وأخذ جومَرَ بنت ديلايَم فحبلت وولد له..". ومما جاء في الفقرات الرابعة وحتى التاسعة من الإصحاح الحادي عشر من سفر التكوين حاكية عن نسل نوح بعد الطوفان وكان لهم لسان واحد ولغة واحدة، وبعد أن اهتدوا إلى صناعة البناء: "قالوا: هلمّ نبنِلأنفسنا مدينة وبرجاً راسه بالسماء، ونصنع لأنفسنا اسماً لئلا نتبدد على وجه كل الأرض. فنزل الرب لينظر المدينة والبرج اللذين كان بنو آدم يبنونهما، وقا لالرب: هوذا شعب واحد ولسان واحد لجميعهم، وهذا ابتداؤهم بالعمل، والآن لا يمتنع عليهم كل ما ينوون أن يعملوه، هلمّ ننزل ونبلبل هناك لسانهم حتى لا يسمه بعضهم لسان بعض، فبددهم الرب من هناك على وجه كل الأرض، فكفوا عن بنيان المدينة، لذلك دعي اسمها بابل، لأن الرب هناك بلبل لسان كل الأرض، ومن هناك بددهم الرب على وجه كل الأرض"!‏
هذا غيض من فيض مما حفلت به هذه التوراة الرسمية من صفات "للرب الإله" كفيلة بأن تسقطه عن مقام الألوهية وتجعل منه مخلوقاً له كل صفات المخلوق الحادث، من الجهل والغضب والندم والحزن والتعب والخوف والانتقام بلا حدود، فهل بعد هذا يا ترى يصرّ أصحاب هذاالكتاب على أنه كتاب سماوي موحى به من عند الله ؟!‏
العهد القديم والأنبياء‏


يتبع.............
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
kamal _zb

avatar

ذكر عدد الرسائل : 31
العمر : 43
تاريخ التسجيل : 15/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: اليهودية والإسلام على ضوء التوراة والقرآن...   2008-09-15, 6:37 pm

لنلقِ نظرة سريعة على بعض أسفار العهد القديم بما فيها أسفار التوراة الخمسة، لنطّلع على نماذج مما تحدث به الأنبياء، وما تحكيه عنهم من سلوك، وما تلصقه بهم من صفات المعصية والرذيلة بل الكفر والشرك؟! تنص الفقرات من الحادية والعشرين إلى السابعة والعشرين من الإصحاح التاسع من سفر التكوين على أن "نوحاً شرب الخمر، فسكر وتعرّى داخل خبائه، فأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه، وأخبر أخويه خارجاً.." إلخ. ونصت الفقرات من الحادية عشرة إلى التاسعة عشرة من الإصحاح الثاني عشر من سفر التكوين كيف أن ابراهيم أمر امرأته سارة بالكذب، وكيف كذب هو على فرعون مصر فقال له عنها إنها أخته حتى تزوجها وعوّضه أموالاً كثيرة.. وعندما علم فرعون أن سارة زوجة ابراهيم وليست أخته لأمه، وقال له: "لماذا لم تخبرني أنها امرأتك؟ لماذا قلت هي أختي حتى أخذتها لي لتكون زوجتي.."‏
وبعد أن ذكرت التوراة الرسمية أن لوطاً سكن في المغارة في الجبل هو وابنتاه، نصت الفقرات من الحادية والثلاثين إلى الثامنة والثلاثين من الإصحاح التاسع عشر من سفر التكوين، على أن ابنة لوط البكر قالت لأختها الصغيرة: "أبونا قد شاخ، وليس في الأرض رجل ليدخل علينا كعادة كل الأرض، هلمّ نسقي ابانا خمراً، ونضطجع معه فنحيي من ابينا نسلاً، فسقتا اباهما خمراً في تلك الليلة، ودخلت البكر واضطجعت مع أبيها.. وحدث في الغد أن البكر قالت للصغيرة: إني قد اضطجعت البارحة مع أبي، نسقيه خمراً الليلة أيضاً، فادخلي اضطجعي معه فنحيي من ابينا نسلاً. فسقتا أباهما خمراً في تلك الليلة أيضاً، وقامت الصغيرة واضطجعت معه.. فحبلت ابنتا لوط من أبيهما، فولدت البكر ابناً ودعت اسمه موآب، وهو أبو الموآبيين إلى اليوم. والصغيرة ايضاً ولدت ابناً ودعت اسمه بَنْ عَمّي، وهو أبو بني عمّون إلى اليوم".‏
وجاء في الإصحاح الثامن والثلاثين من سفر التكوين، أن يهوذا مر بامرأة وحسبها زانية وهي جالسة على الطريق وقد غطت وجهها فمال إليها على الطريق وقال: هاتي أدخل عليك، ثم زنى بها فحبلت منه، ثم اكتشف بعد ذلك أنها كنّته زوجة ابنة عير، واسمها ثامار.. وولدت توأمين سمي أحدهما فارَص(96) والآخر زارَح.‏
كما يروي الإصحاح الحادي عشر وكذا في الإصحاح الثاني عشر من سفر صموئيل الثاني كيف أن داوود قد زنى ببَشْتَبَع بنت أليعام زوجة أحد قوّاده العسكريين واسمه أوريا الحثي وأحبلها، وكي لا يفتضح أمره، دبّر مع قائد جيوشه يوآب مؤامرة لقتله في معركة حربية وهكذا قتل أوريا كما خطط داوود، وبعد أن انتهت مدة مناحة زوجة أوريا ضمها داوود إلى بيته وصارت له امرأة وولدت له ابناً؟!‏
وفي الإصحاح الحادي عشر من سفر الملوك الأول، يتحدث عن سليمان الذي لم يكن قلبه كاملاً مع الرب إلهه كقلب داوود أبيه، وكان له سبعمائة من النساء السيدات، وثلاثمائة من السراري، فأملن قلبه وراء إلهة أخرى، فذهب سليمان وراء عشتروت إلهة الصيدونيين، وملكوم رجس العمونيين، وعمل سليمان الشر في عيني الرب، ولم يتبع الرب تماماً كداوود أبيه، وبنى ألصنام لزوجاته اللواتي كن يوقدن ويذبحن لآلهتهن.‏
وتنسب الفقرة الثانية عشرة من الإصحاح العشرين من سفر العدد إلى الرب أنه قال لموسى وهارون إنكما لم تؤمنا بي، وتكرر ذلك في الفقرة الرابعة عشرة من الإصحاح السابع والعشرين من السفر نفسه، حيث يتهمهما بعصيان قوله، ورماهما بالخيانة كما هو نص الفقرة الحادية والخمسين من سفر التثنية.‏
كما أن ما ورد في الفقرة الأولى وما بعدها من الإصحاح الثاني والثلاثين من سفر الخروج ينسب إلى هارون الارتداد عن عقيدة التوحيد إلى الشرك وعبادة العجل بعد أن طلب منه الشعب أن يصنع لهم آلهة: "فقال لهم هارون: انزعوا أقراط الذهب التي في آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم وأتوا بها، فنزع كل الشعب أقراط الذهب اليت في آذانهم وأتوا بها إلى هارون فأخذ ذلك من ايديهم وصوّره بالإزميل وصنعه عجلاً مسبوكاً، فقالوا: هذه آلهتك يا غسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر، فلما نظر هارون، بنى مذبحاً امامه، ونادى هارون فقال: غداً عيد للربن فبكّروا في الغد واصعدوا محرقات وقدّموا ذبائح سلامة، وجلس الشعب للأكل والشرب، ثم قاموا للّعب.."‏
وحاشا لله أن يصطفي شخصاً للنبوّة، وهو يعلم أنه يكفر به ويدعو الناس إلى الكفر بل يحملهم على الشرك، وصدق الله حيث يقول: "ما كان لبشر أن يؤتيه الكتاب والحكم والنبوّة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلّمون الكتاب وبما كنتم تدرّسون، ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون".(97)‏
بعد كل ما عرضناه، هل يعقل أن تكون هذه الأسفار وحياً من عند الله لأنبيائه، وتنسب غليهم كل هذه المخازي من الزنا والفجور والشرك والكفر بمن أرسلهم هداة للناس إلى الحق والخير والإيمان؟! إن هذا مما لا يستقيم ولا يقبل عند ذوي العقول، بل هو تجديف على الله وكذب على أنبيائه، كتبه أعداء الله ومحرفو رسالة السماء بأيديهم، وصدق الله حيث يقول: "وإن منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون".(98)‏
من الأحكام الشرعية في التوراة‏
ورد في الفقرات من الخامسة إلى الحادية عشرة من الإصحاح الخامس والعشرين من سغر التثنية حكم خاص بالأخ إذا مات أخوه ولم ينجب من زوجته ولداً، فأوجبت عليه التزوج بامرأة أخيه الميت، وحرمة تزوجها بأجنبي، فقالت: "أخو زوجها يدخل عليها ويتخذها لنفسه زوجة، ويقوم لها بواجب أخي الزوج، والبكر الذي تلده يقوم باسم أخيه الميت لئلا يمحى اسمه من إسرائيل. وإن لم يرضَ الرجل أن يأخذ امرأة أخيه، تصعد امرأة أخيه إلى الباب إلى الشيوخ وتقول: قد أبى أخو زوجي أن يقيم لأخيه اسماً في إسرائيل، لم يشأ أن يقوم لي بواجب أخي الزوج، فيدعوه شيوخ مدينته ويتكلمون معه، فإن أصرّ وقال: لا أرضى أن أتخذها، تتقدم امرأة أخيه إليه أمام أعين الشيوخ، وتخلع نعله من رجله. وتبصق في وجهه، وتصرخ وتقول: هكذا يُفعل بالرجل الذي لا يبني بيت أخيه، فيدعى اسمه في إسرائيل بيت مخلوع النعل".‏
فهل ترى في هذا الحكم أثراً للعدل والحق والكرامة؟! إنه إكراه للرجل على الاقتران بمن لا يرغب ولا يريد، وإن هو أبى تهتك حرمته بأبشع صورة، ويحقّر بضرب وجهه بنعله هو، وبيد امرأة أخيه أمام أعين الناس. وفوق ذلك يوصم بالعار بقية حياته؟! اضف إلى ذلك، من استبطان هذا الحكم لتحقير المرأة بإظهارها بمظهر المتكالبة على الفوز برجل حتى ولو كان قالياً لها وعازفاً عنها.‏
والعجيب، لنه قد ورد في الفقرة الحادية والعشرين من الإصحاح العشرين من السفر نفسه: "وإذا أخذ رجل امرأة أخيه فذلك نجاسة، قد كشف عورة أخيه، يكونان عقيمين". وحرّمت الفقرة الثالثة عشرة من الإصحاح الحادي والعشرين من سفر اللاويين يحرم على الكاهن الأعظم أن يتزوج أرملة أو مطلّقه، بل يجب أن يتزوج امرأة عذراء.‏
وجاء في الفقرات الأولى من الإصحاح الثاني عشر من سفر اللاويين، أن المرأة إذا ولدت ذكراً تكون نجسة سبعة أيام، ثم تقيم ثلاثة وثلاثين يوماً في دم طهرها، وإن ولدت أنثى تكون نجسة أسبوعين، ثم تقيم ستة وستين يوماً في دم طهرها؟! ولا أدري ما هو الفرق في النفاس بين أن يكون المولود ذكراً أو أنثى؟! حتى يوجب مضاعفة النجاسة فيها دونه؟!‏
وجاء في الفقرات من الثانية عشرة وحتى العشرين، أن الرجل إذا تزوج امرأة، وادّعى حين دخل عليها أنه لم يجدها عذراء "يأخذ الفتاة أبوها وأمها، ويخرجان علامة عذريتها إلى شيوخ المدينة إلى الباب، ويقول أبو الفتاة للشيوخ: أعطيت هذا الرجل ابنتي زوجة فأبغضها قائلاً: لم أجد لبنتك عذرة، وهذه علامة عذرة ابنتي، ويبسطان الثوب أمام شيوخ المدينة، فيأخذ شيوخ تلك المدينة الرجل ويؤدبونه، ويغرمونه بمائة من الفضة ويعطونها لأبي الفتاة" ويلزمونه بها زوجة له "فتكون زوجة لا يقدر أن يطلقها كل أيامه. ولكن، إذا كان هذا الأمر صحيحاً، لم توجد عذرة للفتاة، يخرجون الفتاة إلى باب بيت أبيها، ويرجمها رجال مدينتها بالحجارة حتى تموت، لأنها عملت قباحة في إسرائيل بزناها في بيت أبيها.."؟!‏
فهل ترى في شيء من هذه الأحكام عدلاً أو عقلاً أو كرامة؟! فكيف يحكم بسوء النية على الزوج بمجرد ادّعائه وجود زوجته ثيباَ فيؤدب ويغرم بمائة من الفضة، ويلزم بها زوجة دائمة له حتى يموت؟! وكيف يؤخذ بقطرات دم على ثوب يحمله ابو هذه المرأة، قد تكون دم حيوان أو غيره، ولا ربط له بدم البكارة في شيء؟! مع أن الأبوين ممن ترد التهمة في حقهما لأنهما يريدان أن يدفعا عنهما وعن ابنتهما، فضلاً عن العار، عقوبة الموت رجماً لها؟! وأخيراً، كيف ينحصر ذهاب البكارة بالزنا لتستحق هذه المرأة الموت، وهي غشاء رقيق قد يتمزق لأدنى سبب عادي، بقفزة أو حركة عنيفة أو حمل شيء ثقيل، أو بفعلها هي؟! إن المشرّع الأعظم أرحم واكرم من أن يؤاخذ إنساناً بمجرد ظنون وتخرصات اختلقتها نفوس أصحابها، أو اتهامات لم يقم على صدقيتها دليل قاطع، أو بيّنة عادلة على كذبه أو كذبها، أو غقرار جازم منه بالكذب، أو منها بالزنا. كما أن الزنا جريمة بنص التوراة، ولا يعقل أن ينص الشارع على جريمة ثم يسيّبها بلا عقوبة للمجرم تردعه وغيره عن ارتكابها.‏
وتنص التوراة في الفقرتين الثامنة والعشرين والتاسعة والعشرين من الإصحاح الثاني والعشرين من سفر التثنية، على أن الرجل إذا زنى بفتاة عذراء، فإنه يترتب عليه أمور ثلاثة: "يعطي الرجل (الزاني) .. لأبي الفتاة خمسين من الفضة، وتكون هي له زوجة.. لا يقدر أن يطلقها كل أيامه". فيكون هذا مورداً آخر لا يحق للزوج أن يطلق فيه زوجته مدى الحياة.ومما نصّت عليه التوراة في بداية الإصحاح الرابع والعشرين من سفر التثنية، من الفقرة الأولى وحتى الخامسة، على أن مطلّقة الرجل إذا تزوجت بغيره ثم طلّقها الثاني أو مات "لا يقدر زوجها الأول الذي طلّقها أن يعود يأخذها لتصير له زوجة، بعد أن تنجّست، لأن ذلك رجس لدى الرب.."‏
ولا أدري لا كيف تنجّست، ولا بمَ تنجست؟! هل تنجست بالطلاق مرتين، أم بموت زوجها الثاني؟! ونصت التوراة الرسمية في الفقرة السابعة عشرة من الإصحاح الحادي والعشرين من سفر التثنية على أن نصيب الولد الذكر البكر في الميراث هو ضعف نصيب غيره من إخوته. ونصّت في الفقرة الثامنة من الإصحاح السابع والعشري من سفر العدد، على أنه "أيّما رجل مات وليس له ابن، تنقلون ملكه إلى ابنته..". وهذا نص صريح في أن البنات يحرمن من الميراث مع وجود أخوة ذكور لهن. بل نصّت الفقرات التالية على أن الأخوات لا يرثن مع وجود الأخوة، وكذا العمّات لا يرثن مع وجود الأعمام، ومع عدم وجود الأعمام يرث نسيب الميت الأقرب إليه من عشيرته دون الإناث منها.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
kamal _zb

avatar

ذكر عدد الرسائل : 31
العمر : 43
تاريخ التسجيل : 15/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: اليهودية والإسلام على ضوء التوراة والقرآن...   2008-09-15, 6:38 pm

العهد القديم والآخرة‏
من الملفت للنظر حقاً، أن يزعم أتباع العهد القديم بأسفاره كتاب وحي إلهي كتبه "الأنبياء" أو ألهموه، ومع ذلك فهو يخلو بشكل عام من ذكر الآخرة والقيامة، وما يجري فيهما من ثواب أو عقاب، ونعيم أو جحيم. بل كان كل ما ورد في هذا الكتاب من وعد ووعيد، وترغيب وترهيب منصباً على الأمور الدنيوية من نعم وخيرات، أو محن وبلاءات، ولنتأكد من ذلك، نتصفح الإصحاح الثامن والعشرين من سفر التثنية حتى آخره لنجد حقيقة ما قلناه، وكمثال نورد بعض فقرات منه: "وإن سمعت لصوت الرب إلهك لتحرص أن تعمل بجميع وصاياه التي أنا أوصيك بها اليوم، يجعلك الرب إلهك مستعلياً على جميع قبائل، وتأتي عليك جميع هذه البركات.. مباركاً تكون في المدينة، ومباركاً تكون في الحقل. ومباركة تكون ثمرة بطنك، وثمرة أرضِك، وثمرة بهائمك، نتاج بقرك وإناث غنمك، مباركة تكون سلّتك ومعجنك، مباركاً تكون في دخولك، ومباركاً تكون في خروجك، يجعل الرب أعداءك منهزمين أمامك، يأمر لك الرب في خزائنك وفي كل ما تمتد إليه يدك.. إلخ".. "ولكن، إن لم تسمع لصوت الرب إلهك، لتحرص أن تعمل بجميع وصاياه وفرائضه.. وتأتي عليك جميع هذه اللعنات وتركك، ملعوناً تكون في المدينة، وملعوناً تكون في الحقل، ملعونة تكون سلّتك ومعجنك، ملعونة تكون ثمرة بطنك، وثمرة أرضك، نتاج بقرك وإناث غنمك، ملعوناً تكون في دخولك، وملعوناً تكون في خروجك.. يلصق بك الرب الوباء حتى يبيدك عن الأرض التي أنت داخل إليها تمتلكها، يضربك الرب بالسل والحمّى والبرداء والالتهاب والجفاف واللفح والذبول، فتتبعك حتى تفنيك.." إلخ..‏
وهكذا يعدد هذا السفر، على طوله، أمثال هذه الأضرار الدنيوية دون ذكر للآخرة أبداً. نعم.. وللموضوعية نقول: وردت الإشارة إلى الآخرة، وإن بصورة غير أكيدة، بل مغلوطة، في ثلاثة موارد فقط، لا في توراة موسى المزعومة، بل في ثلاثة أسفار من العهد القديم. ففي الفقرة الثانية من الإصحاح الثاني عشر من سفر دانيال، ورد ما نصّه: "وكثيرون من الراقدين في تراب الأرض يستيقظون، هؤلاء إلى الحياة الأبدية، وهؤلاء إلى العار للإزدراء الأبدي".. والظاهر أن "من" في هذه الفقرة هي للتبعيض، وهذا خلاف المقصود بالقيامة لأنها سوف تشمل كل الأموات.‏
وفي الفقرة التاسعة عشرة من الإصحاح السادس والعشرين من سفر إشعياء: "تحيا أمواتك، تقوم الجثث، استيقظوا ترنّموا يا سكان التراب".. وهذا الكلام وإن كان يشبه الحديث عن القيامة، إلا أنه لا يمكن الجزم معه أنها مرادة منه، لأنه لا يذكر ما هو من أهم خصائصها وهو الحساب وما يترتب عليه من ثواب وعقاب. وفي الفقرة السادسة والعشرين من الإصحاح التاسع عشر من سفر أيوب، جاء على لسانه: "وبعد أن يفنى جلدي هذا، وبدون جسدي أرى الله". وهذاالكرم لا يدل إلا على خلود النفس بعد فناء الجسد، وهو غير القيامة اصطلاحاً.‏
التلمود‏
التلمود هو عبارة عن مجموعة من أنظمة وتعاليم وقواعد وحكايات وروايات تشمل كل مناحي الحياة اليهودية في العقيدة والشريعة والسلوك، وتدور حول تاريخ بني إسرائيل، بل تخطط لمستقبلهم السياسي والاجتماعي بشكل عام. ولا بد من التنبيه إلى أن محتويات هذا الكتاب كانت قبل تدوينها مجرد قصص وروايات وأقوال تتناقل مشافهة من جيل إلى جيل، مدة طويلة من الزمان إلى أن تنبّه بعض أحبار اليهود إلى ضرورة كتابتها خوفاً من ضياعها ورغبة منهم في أن تكون مادة مضبوطة يمكن الرجوع إليها من قبل اليهود مسترشدين علماء ومتعلمين. وابتدأ أمر تدوينها منذ بدايات القرن الأول للميلاد. ويتألف التلمود من قسمين.(99)‏
الأول: المِشناه، وتعني الدرس، وتتكون من ستة مجلدات، وقد نقحت في فلسطين حوالي 200 م. وقام بتأليفها مجموعتان من أحبار اليهود في فلسطين، وخاصة في أورشليم وأريحا. "وقد أصبحت تعاليم المِشناه عدة أقسام تحتوي على بحوث تشمل دراسة خاصة بالزراعة، ودراسة خاصة بأحكام الصلوات والبركات، ودراسة خاصة بالأعياد والسبوت، ودراسة خاصة بأمور النساء وأحكام الزواج والطلاق، ودراسة خاصة بالأحكام المالية، والجنح، والقرابين والذبائح".(100)‏
الثاني: الجِماراه (gemarah) ومعناها الكمال" وهي سجل ضخم لأبحاث حول المِشناه، وهناك مجموعتان متوازيتان من الجِماراه أُلّفتْ إحداها في وادي الرافدين (بابل) ما بين 200 و500 م، والأخرى في فلسطين في تاريخ غير معروف قبل 500 م بكثير. والتلمود البابلي (المِشناه والجِماراه البابلية) أكثر شمولاً وأفضل ترتيباً من المراجع الفلسطينية، وهي وحدها تعتبر دقيقة ورسمية، أما التلمود المقدسي (الفلسطيني) فيحتل مركزاً أدنى كمرجع شرعي".‏
ومما تقدّم، يظهر أن التلمود في حقيقته وبلحاظ كلا قسميه، ليس إلا عبارة عن تفسير وتأويل وشرح وتعليق على التوراة التي تعتبر المصدر الأساس للديانة اليهودية، قام بها أحبار اليهود في مدة استغرقت حوالي الخمسمائة عام، وقد نَحَوا في تفسيراتهم وتأويلاتهم تلك لنصوص التوراة منحىً عنصرياً ضيقاً يتماشى مع مصلحة اليهود وتطلعاتهم، وانطلاقاً من مقولة كونهم شعب الله المختار، وهذا يكشف عن خطأ الفكرة الشائعة عن اليهودية "وهي شائعة بين المسيحيين أو المتأثرين بالثقافة والتراث المسيحي، هي الفكرة المضللة القائلة بأن اليهودية ديانة توراتية، وأن العهد القديم يحتل في اليهودية المركز نفسه والسلطة الشرعية نفسها، التي للتوراة لدى البروتستانت أو حتى الكاثوليك..".(101) ومن هنا نجد "معظم الآيات التي تصف التصرفات والالتزامات الدينية، تفهم لدى اليهودية الكلاسيكية وأرثوذكسية الوقت الحاضر بمعنى يختلف تماماً عن، أو يتناقض مع معناها الحرفي الذي يفهمه المسيحيون أو غيرهم من قراءة العهد القديم".(102)‏
ويعطي إسرائيل شاحاك أمثلة عديدة لمثل هذا التأويل العنصري لنصوص التوراة، فالوصية الثامنة مثلاً، من الوصايا العشر: لا تسرق. فُسّرت كنهي عن سرقة شخص يهودي. "والسبب هو أن جميع الأعمال الممنوعة في الوصايا العشر هي جرائم كبرى في نظر التلمود، وسرقة الممتلكات ليس جريمة كبرى، وخطف غير اليهود مصرّح به لليهود حسب ما ورد في التلمود..".‏
ومثل هذا الشحن العنصري القائم على الحقد لأجيال يهودية امتدت قروناً طويلة في شرق الأرض وغربها وفق تعاليم التلمود، كان كفيلاً بتحوّل هذا الكتاب ليكون هو الكتاب المقدّس لليهود بدل العهد القديم بشكل عام والتوراة منه بشكل خاص.. بحيث أصبح حظها من التعلّق بها والارتباط أقل بكثير، وذلك مما تفصح عنه القرائن وتؤكده الشواهد من تحمّس وتعلّق الجماعات اليهودية في إيمانها بتعاليم التلمود وتقديرها المفرط للقائمين على أمره. ولقد عمل الحاخامات من اليهود على إذكاء روح الحماس والتعلّق العاطفي والديني عند الجماعات اليهودية فراح واحد من الحاخامات يقول، كما سجل عنه اليهودي الذي ألّف الكتاب المسمّى: كرافت، والذي طبع حوالي 1590 م، بقوله: "إعلم أن أقوال الحاخامات أفضل من أقوال الأنبياء". ومن قبله وحوالي 1500 م قال أحد الحاخامات: "إن من يقرأ التوراة بدون المِشناه والجِماراه فليس له إله".‏
"بلغ الغباء الديني والتعصّب العنصري عند القوم وهم يسجّلون تفاسير لدينهم ومعتقداتهم، حداً يفوق كل صور الخرافة الأسطورية، فمن الأخبار التي احتواها التلمود عن قداسة وعظمة الحاخامات اليهود: "إن تعاليم الحاخامات لا يمكن نقضها ولا تغييرها ولو بأمر الله. وقد وقع الاختلاف يوماً بين الله وبين علماء اليهود في مسألة، وبعد أن طال الجدل تقررت إحالة المشكلة إلى أحد الحاخامات الرِبّيين، واضطر الله أن يعترف بخطئه بعد حكم الحاخام المذكور".(103) كما ورد في هذا السياق: "أنه يجب الالتفات إلى أقوال الحاخامات أكثر من الالتفات إلى شريعة موسى". ومما جاء في التلمود: "إن الله يندم على تركه اليهود في حالةالتعاسة التي هم فيها، حتى أنه يلطم ويبكي كل يوم فتسقط من عينيه دمعتان في البحر فيسمع دويّهما من بدء العالم إلى نهايته وتضطرب الأرض في أغلب الأوقات فتحصل الزلازل". وما جاء في الفقرة العاشرة من الإصحاح التاسع عشر من سفر اللاويين: ".. ونثار كرمك لا تلتقط للمسكين والغريب تتركه" فسّره التلموديون بأن المقصود بالغريب والمسكين خصوص اليهودي. وإذا قتل اليهودي غير يهودي بصورة عمدية مباشرة فإن المحاكم الدينية اليهودية لا تعاقب القاتل، وأما إذا قتله بصورة غير مباشرة، كما لو وقع غير اليهودي في حفرة فجاء يهودي فأخذ السلم ليمنعه من الصعود منها فمات، فلا يعتبر فعل اليهودي هنا خطيئة على الإطلاق".(104) بل يجب على الطبيب اليهودي عدم تطبيب غير اليهود ولو لقاء أجر.(105) وهكذا، تجد أن هذا التلمود، هو كتاب يزيد عند اليهود قداسة حتى على التوراة التي هي في اعتقادهم كتاب وحي سماوي، وعلى ضوء اساطيره وقصصه والأحكام الواردة فيه، التي تأولها علماء اليهود وأحبارهم يقوم الكيان اليهودي بكل عنصريته وجموده وحقده على كل ما هو غير يهودي في هذا العالم. وبقي أن نشير إلأى أن أولى طبعات التلمود التي خرجت إلى العلن واصبحت في متناول القرّاء والباحثين كانت طبعة البندقية عام 1520 م، وكانت اثني عشر مجلداً وأعيد طبعها ثانياً في البندقية أيضاً عام 1550 م
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
kamal _zb

avatar

ذكر عدد الرسائل : 31
العمر : 43
تاريخ التسجيل : 15/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: اليهودية والإسلام على ضوء التوراة والقرآن...   2008-09-15, 6:41 pm

"وكان من أثر هاتين الطبعتين أن تعرض اليهود في كل بلدان العالم إلى الحرج والمضايقة إلى حد لم يكن في تقديرهم، ولا تصورهم، فإن الفقرات والأخبار والأخلاق التي في التلمود، والتي كشفت عن نواياهم تجاه العالم الإنساني كله، جعلت شعوب العالم من التي أتيح لها أن تطّلع على نيات اليهود وعقائدهم المسجّلة في التلمود أن تأخذ من اليهود موقف رفض لهذه الأطماع، ولذلك كانت الطبعة الثالثة.. في بازل عام 1581 م خالية من بعض الفقرات والأخبار والأخلاق، التي تفضح اليهود وتكشف أطماعهم في العالم كله، ومع ذلك فقد عملت بعض الجماعات اليهودية على طبع كل ما حذف في هذه الطبعة وراحوا يوزعونها على اليهود ليضعوها في أماكنها الأصلية من التلمود..".(106)‏
أهم الفرق اليهودية‏
إن البحث عن الفرق اليهودية عبر التاريخ، أمر تحتنكه صعوبات جمّة، لا من كثرة عددها فقط، فقد ورد عن النبي (ص) أنه قال: "إن أمة موسى افترقت بعده على إحدى وسبعين فرقة، فرقة منها ناجية، وسبعون في النار".(107) بل لغموض تاريخ الغالب منها، إن من حيث الفترات الزمانية، أو من حيث مرتكزاتها الاعتقادية، وعلاقات بعضها بالبعض الآخر، وانشعاب الفرقة الواحدة إلى أجنحة متعددة. فضلاً عن أن من هذه الفرق ما هو سطحي هامشي سرعان ما اندثر كما ظهر، ولم يخلف أي بصمات تستحق التوقف عنده. كما أن كثيراً منها، لم تكن تستحق إطلاق تسميتها بذلك، بل هي أقرب إلى كونها مجرد جمعيات منفردة ومنعزلة، كانت تحركها العاطفة والفهم السطحي في كثير من الأحيان.‏
هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإن بعض هذه الفرق أو الحركات اليهودية لم تكن كلها ذات محتوى ديني، بل كان بعضها إلى الحركة السياسية أقرب. ولذا سوف نقتصر على التعرض لبعض هذه الفرق مما يحسن التوقف عنده منها، وهو خصوص ما ترك بصماته على وضع اليهود عقدية وسلوكاً، واستطاع أن يحدث تياراً له ذيول وتبعات انعكست- لا على اليهود فقط – بل على شرائح عريضة من المجتمعات التي ابتليت بهم، وذاقت الأمرّين من عنصريتهم.‏
وسوف نختصر الحديث عن هذا البعض مما تكوّن قبل ميلاد عيسى بن مريم (ع) وعاصره، ومما لحقه. بادئين بما اعتبره بعض المؤرخين والباحثين مدارس يهودية فلسفية محصورة في ثلاث، وإن كنا نرى في إطلاق اسم المدارس على ما تركته هذه الفرق، فضلاً عن توصيفها بالفلسفية، نحواً من التوسع أو التجوّز لا مبرر له.‏
1- السامريون (108)‏
الفرقة السامرية، نسبة إلى السامرة، وهي مدينة قديمة مقدّسة، لأن جد العبريين الأعلى يعقوب، بزعمهم، قد رأى رؤيا في ذلك المكان، فبنى فيه معبداً سمّاه "بيت إيل" وكان اسم المكان أولاً: نور، كما ورد ذلك في الفقرات من العاشرة إلى التاسعة عشرة من الإصحاح الثامن والعشرين من سفر التكوين. وقد سمّي هذا المعبد، فيما بعد، باسم "جرزيم" الذي ورد ذكره في الفقرة الثانية عشرة من الإصحاح السابع والعشرين من سفر التثنية.‏
وبهذا يفترق السامريون عن باقي اليهود، الذين يعتبرون أن المكان المقدس هو أورشليم وليس جرزيم، ولذا يعتبر السامريون فرقة منشقة عن بقية اليهود معادية لهم، كما يفترقون عنهم في اسم الإله فهو "إيل" عندهم، و"يهوه" أو غيره عند بقية اليهود. وكثير من اليهود ينفون عن السامريين الانتساب إلى إسرائيل، أو الإيمان بإله إسرائيل، وقد وصل بهم الأمر إلى حد أن أحبار اليهود كانوا يسمّون السامريين: جيران السباع.(109)‏
ولا يؤمن السامريون بغير ستة أسفار من العهد القديم، هي أسفار التوراة الخمسة، وسفر يشوع الذي يعتبرونه النبي الوحيد بعد موسى، ولذا فهم لا يؤمنون بأي من الأنبياء الذين ذكروا بعده، مع العلم أن لهم توراة تختلف عن التوراة التي عند عامة اليهود، جازمين بأن ما عندهم هي التوراة الحقيقية التي أُنزلت على موسى، وأما غيرها فهي من وضع عيزرا الناسخ.(110) وهم يؤمنون بالآخرة ويوم الدينونة.(111)‏
ويعتقد السامريون بأنهم وحدهم ورثة بني إسرائيل، والبقية من نسل يعقوب، وأنهم ينحدرون من نسل هارون، وينتخبون كاهناً أعظم يسمونه: الكاهن اللاوي، وغالباً ما يطلقون عليه لقب "الحبر الكبير". ويرى بعض الباحثين أن بدايات تكوّن السامريين وتميّزهم عن بقية اليهود، كان في أوساط القرن الخامس قبل الميلاد.(112)‏
2- الفريسيون‏
وهي تسمية مأخوذة من العبرية "فروشيم" أي المفروزين. ولعل تسميتهم بذلك لامتيازهم عن عوام اليهود، بما عرف عنهم من إحاطتهم بالشريعة والتوراة، وتكتلهم في بنية متراصة قوية، وقد أدى بهم هذا التكتل وذاك الانعزال إلى التعصب والجمود على النصوص والألفاظ، ومحاربتهم لكل نظرة متحررة يستشم منها نحو من المرونة والنزوع إلى التطور والإصلاح. ومن هنا، كان هؤلاء الفريسيون من ألدّ أعداء دعوة المسيح (ع) والمحاربين له، حيث اعتبروا دعوته هدماً لليهودية، وخارجة على تعاليمها، وخاصة عندما صرّح بأنه ليس يهودياً، وورد في الفقرات من بداية الإصحاح الرابع من إنجيل يوحنا. وقد ورد في الفقرتين الأولى والثانية من الإصحاح الثاني عشر من انجيل متى، وفي الفقرات الست الأولى من الإصحاح الخامس عشر، وفي الفقرات التسع الأولى من الإصحاح التاسع عشر من انجيل متى أيضاً. وفي الفقرات الأربع الأولى من الإصحاح الثالث من انجيل مرقس، وكذا في الإصحاح الحادي عشر منه. وفي الإصحاحين السابع عشر والتاسع عشر من انجيل لوقا.‏
وقد تصدى عيسى (ع) لهؤلاء الفريسيين المحاربين له والصادّين عنه، وكشف كذبهم ونفاقهم،، ودينونتهم بشكل مفصّل على ما ورد في انجيل متى من الفقرة الثالثة عشرة حتى لآخر الإصحاح الثالث والعشرين، ومما جاء فيه: "ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون، لأنكم تغلقون ملكوت السماوات قدّام الناس فلا تدخلون أنتم ولا تدعون الآخرين يدخلون، ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تأكلون بيوت الأرامل.. لأنكم تطوفون البحر والبر لتكتسبوا دخيلاً واحداً ومتى حصل تضعونه ابناً لجهنم أكثر منكم مضاعفاً، ويل لكم أيها القادة العميان.." إلخ.‏
ولشدة عدائهم للمسيح (ع) حاولوا أن يلقوا القبض عليه ولم يفلحوا، كما ينص عليه يوحنا في الإصحاح السابع من إنجيله. والفريسيون آمنوا بالتوراة، وبكل الأنبياء الذين جاؤوا بعد موسى. كما آمنوا بجميع السفار اليهودية، وآمنوا بالتلمود، ويعتبرون أن كل ما جاء فيه مكمّل للتوراة مندمج معه اندماجاً عضوياً (بحيث لا يمكن الإيمان بهذه التوراة مع الشك في مكمّلاتها) أي المِشناه والجِماراه. كما أنهم يعتقدون بوجود الشيطان، ويعتبرون أن الأبالسة والجن والعفاريت هم ادواته والمؤتمرون بأمره، كما يؤمنون بالملائكة باعتبارهم المؤتمرين بأوامر الله القائمين في خدمته، وهذه معتقدات لم يسبق لها ذكر في نصوص التوراة.(113)
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
kamal _zb

avatar

ذكر عدد الرسائل : 31
العمر : 43
تاريخ التسجيل : 15/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: اليهودية والإسلام على ضوء التوراة والقرآن...   2008-09-15, 6:42 pm

ويعزو بعض الباحثين(114) إلى الفريسيين هؤلاء، نتيجة جهودهم وتعصبهم وعنصريتهم، كثيراً من الكوارث التي حلّت باليهود طوال العهد الروماني، إلى أن تم تمزيقهم والقضاء عليهم، وتم ترحيل القسم الأكبر منهم من فلسطين، على يد تيتوس، الذي أجبر من بقي منهم فيها على عبادة زوس بعد أن أقام له معبداً وثنياً في أورشليم.‏
3- الصدوقيّون‏
تسمية مأخوذة من "صدوقيم" بالعبرية ومعناها: أهل العدل أو "صديقيم" أي: الأبرار. ويزعم هؤلاء أنهم ينتسبون إلى صادوق الكاهن في عهد سليمان، والذي ورد ذكره في الإصحاح الأول من سفر الملوك الأول، وكان في القرن الثالث قبل الميلاد، وهو الذي، كما ورد في الإصحاح المذكور من السفر المذكور، مسح سليمان بأمر أبيه داوود وباركه، ليكون ملكاً بعده على إسرائيل ويهوذا.‏
وجاء في الإصحاح الثاني من السفر المذكور أن داوود نصب صادوق هذا رئيساً للكهنة بعد ذلك، كما ورد في الإصحاح الرابع والأربعين أن صادوق كان من الكهنة اللاويين الذين أسندت إليهم حراسة المذبح، وهم وحدهم يحق لهم أن يدخلوا مقدس الرب ليخدموا مائدته. ومن عقائد هذه الفرقة من اليهود(115) ، أنها لا تؤمن بقيامة الأموات من القبور، ولا تؤمن بالآخرة ولا بالحساب والثواب والعقاب الأخروي، وإنما ينال الإنسان جزاءه في هذه الدنيا فقط، فليس من جنة ولا نار. كما تنكر وجود الملائكة والشياطين، وتنحو إلى القول في أفعال الإنسان بالتفويض، بمعنى أنه هو خالقها، بمعزل عن الله، ولذا يكون مسؤولاً عنها.‏
وهذه الفرقة تؤمن بالعهد القديم وتكفر بكل ما عداه من التعاليم الشفهية التي جمعت في ما بعد بما سمّي اليهود، ومن هنا صب واضعوه جام غضبهم على أتباع هذه الفرقة ونعتوهم بالأبيقوريين باعتبار شكهم في صدق التعاليم الشفوية تلك، وبالتالي رموهم بالتحلل من قيود الدين والأخلاق. وذكر بعض الباحثين(116) أنهم مالَؤوا اليونان وأيدوهم واختلطوا بهم، وتكتلوا معهم ضد سكان مصر الأصليين، وبهذا الاختلاط سرعان ما ذابت شخصيتهم، أو كادت، في ظل الثقافة اليونانية، حتى أنهم نسول جلّ لغتهم الصلية، واصبحت الإغريقية اللغة الأساسية بالنسبة إليهم، مما سبّب لهم جهلاً بتراثهم الديني، وانتهى بهم إلى الاندثار.‏
4- الأسانيّون‏
تعرّض كثير من الباحثين لذكر الأسانيين، ومنهم اليهودي جوزيفوس، وقد ذكر أن من جملة ما تتميز به هذه الفئة، انها كانت تميل إلى الزهد والتقشف، واعتماد عيشة الكفاف، والعزلة والانطواء في الجبال والكهوف، وممارسة نوع من التأمل. بل كانت عزلة أفرادها عن باقي جماعة اليهود المتواجدين بينها تتمظهر في عدم مخالطتهم حتى في الطقوس الدينية خوفاً على أنفسهم من التأثر بهم وبالتالي الذوبان فيهم. وقد أدى مثل هذا السلوك، إلى تلاحم أفراد هذه الفرقة في ما بينهم، وتكتلهم نتيجة شعورهم بأنهم يمثّلون الأقلية الضعيفة، وسط مجموع اليهود في عصرهم. وكانوا يتشددون في انضمام أي فرد غليهم، بحيث لا يقبلونه عضواً بينهم إلا بعد فترة اختبار طويلة تنتهي بتحليفهم إياه يمين الولاء لمعتقداتهم يحرم عليه بعد أدائه أن يحلف أي يمين في كل الأحوال. وكانوا ينبذون العنف ويجنحون إلى المسالمة والتمسك بالفضيلة والأخلاق، وكانوا يهتمون بنظافة أبدانهم، ويكثرون من استعمال الماء في الاغتسال والتطهير بالارتماس فيه، ولذا سمّوا بالمتطهرين، ويحرصون على ارتداء اللباس الأبيض مع اهتمامهم بنظافته. وكان الواحد منهم يحمل معه آلة يحفر بها الأرض ليتغوّط ثم يطمرها ويتوضأ بعدها.‏
وكانوا يطبقون حياة العزوبية، ويحرمون الزواج على أنفسهم. وهذا شيء غريب باعتبار أن حلّية الزواج من الأحكام البديهية في اليهودية، وكان لهم صلاة خاصة يؤدونها عند طلوع الشمس تفترق عن صلاة اليهود. وكانوا يحرّمون ذبح الحيوانات مطلقاً لما فيه من سفك الدماء، وربما تأثروا في هذا بالديانة الهندوكية، لأن الذباحة محللة في اليهودية أيضاً، ومن هنا اعتقد البعض بأنهم كانوا نباتيين، ولذا اشتهر عنهم عملهم في حراثة الأرض وزراعتها.‏
وكانوا يحرّمون الرق مطلقاً، وهذا أيضاً مخالف للتعاليم اليهودية التي تبيح استرقاق غير اليهود، كما نص عليه في الفقرتين الرابعة والأربعين والخامسة والأربعين من الإصحاح الخامس والعشرين من سفر اللاويين: "وأما عبيدك وإماؤك الذين يكونون لك فمن الشعوب الذين حولكم منهم تقتنون عبيداً وإماءاً، وأيضاً من أبناء المستوطنين النازلين عندكم، منهم تقتنون ومن عشائرهم الذين عندكم الذين يلدونهم في أرضكم فيكونون ملكاً لكم، وتستملكونهم لأبنائكم من بعدكم، ميراث ملك تستعبدونهم إلى الدهر، وأما أخوانكم بنو إسرائيل فلا يتسلط إنسان على أخيه بعنف".‏
وشاع بين أفراد هذه الفرقة تعاطي السحر والتنجيم، وربما تأثروا في ذلك بالمجوس أو الهندوس أو كليهما، وكانوا يؤمنون بالمسيح، وهو غير عيسى (ع)، بل عيسى عندهم هو أحد الأنبياء الذين أرسلوا إلى بني إسرائيل، ولذا عُرفوا باسم المسيحيين اليهود، لأنهم تمسكوا بالتوراة وبالنواميس اليهودية بشكل عام. وكانوا يؤمنون بالمعاد، والقضاء والقدر، والأرواح والملائكة، ويطلقون عليها أسماء خاصة، ويعتقدون بأنها يمكن أن تحقق لهم ما يريدون، بعد تأدية طقوس خاصة لها. وقيل بأن علماءهم كانوا يشتغلون بالطب الجسدي والروحاني.(117)‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
kamal _zb

avatar

ذكر عدد الرسائل : 31
العمر : 43
تاريخ التسجيل : 15/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: اليهودية والإسلام على ضوء التوراة والقرآن...   2008-09-15, 6:44 pm

ولم أجد من الباحثين من ذكر منشأ تسمية هذه الفرقة بهذا الإسم، ولعلّهم سمّوا به بلحاظ طريقة عيشهم كما تقدم متعاضدين متواسين، مأخوذ من آساه إذا جعله أسوة لنفسه في ماله وقاسمه فيه، ولا يكون إلا من كفاف، وقيل بأن ينزل غيره منزلة نفسه في النفع له والدفع عنه، والله العالم.‏
ويحتمل أن هؤلاء فرقة الأساة التي ذكرها أحد الباحثين(118)، مشتقة من الآسي، أي الطبيب، مفرد أساة وإساء، والأسُوء: هو الدواء. ولعل منشأ تسميتهم بذلك، هو تعاطي علمائهم للطب بشقّيه كما تقدم، وهذا هو ما قيل عن علماء الأسانيين، مضافاً إلى مشابهة الأساة لهؤلاء في حرصهم على اعتزال الناس، وتفردهم بطقوس عبادية خاصة بهم تختلف عما عليه باقي اليهود وحرصهم الشديد على المبالغة في التطهر بالماء.‏
*************************‏
****************‏
********‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
kamal _zb

avatar

ذكر عدد الرسائل : 31
العمر : 43
تاريخ التسجيل : 15/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: اليهودية والإسلام على ضوء التوراة والقرآن...   2008-09-15, 6:47 pm

اليهود والعرب‏
من المؤكد أن جماعات من اليهود عند ظهور الإسلام، كانت تعيش في المدينة المنوّرة، وما حولها. ومن المؤكد أيضاً أنهم ليسوا من السكان الأصليين لهذه الأرض، وإنما هم لاجئون بعد تشرّدهم على يد تيتس القائد الروماني أولاً، وثانياً وأخيراً على يد القائد الروماني هدريان، الذي قضى على وجودهم في فلسطين وتدمير القدس، بما فيها هيكلهم الذي محاه من الوجود بشكل كامل، فتشتتوا في الأرض وتوجه قسم منهم إلى الحجاز، فحطوا رحالهم في المدينة، وكانت أبرز تجمعاتهم فيها بنو قينقاع، بنو النضير، وبنو قريظة، وفي الشمال في تيماء كان يهود خيبر.‏
فهم طارئون على هذه الأرض ولا يمتون إلى سكانها من العرب بصلة على افطلاق، كما يحاول بعض المغرضين من الباحثين(119) ، الذي تربطهم باليهود صلات عقائدية واضحة والدليل على ما قلناه أنهم على طول المدى التي عاشوها في الحجاز قبل الإسلام، لم يكن لدياناتهم أي تأثير على سكان البلاد الأصليين، حيث لم يتقبل هؤلاء اليهود، ولم تنتشر بينهم، كما لم يتقبلوا النصرانية. بل كان هناك صراع دائم بينهم وبين اليهود، عمل على إذكائه اليهود أنفسهم بما أوتوا من طبيعة قائمة على الفتنة والغدر والمكر والعنصرية والحقد ضد كل ما ليس بيهودي، كما هو دينهم عبر التاريخ.‏
وربما مكّنتهم من ذلك إمكاناتهم المادية التي كانوا يستغلونها في القروض الربوية لبعض السكان ألصليين من العرب، الذين اضطروا، بعدما ضاقوا ذرعاً بهؤلاء الطارئين، إلى أن يستنجدوا بأخوانهم العرب في اليمن فهبّوا لنصرتهم، وأخضعوا اليهود الذين استسلموا لهم بالشروط التي فرضها العرب عليهم.‏
ولقد كان هناك بين حيين كبيرين من أهل المدينة وما حولها من العرب، هما الأوس والخزرج، صراع على لزعامة والوجاهة يؤدي أحياناً إلى الصدام بين الطرفين فاستغل اليهود بما أوتوا من خداع ومكر هذا الصراع لصالحهم. فتحالف بنو القينقاع مع الأوس، كما عقد بنو النضير حلفاً مع الخزرج، وأخذ اليهود يؤججون نار العداوة بين الفريقين، مستعينين بما لديهم من قدرة مالية فكانوا يقدّمون المال لكلا الطرفين في صورة قروض وغيرها حتى أثقلوا كاهلهم بها، وأصبحوا أكثر قدرة على التحكم بخيوط اللعبة.‏
وهكذا دام الحال إلى أن جاء الإسلام وشمّروا عن سواعدهم لحربه والقضاء عليه مع المشركين، فأظهر الله نبيّه والمسلمين عليهم، بعد أن دخل قسم من وجوههم وأحبارهم في الإسلام عن قناعة وإيمان، مثل عبد الله بن سلام، والحبر اليهودي مخيريق، وأسد بن عبيدان وثعلبة بن سعية وغيرهم.‏
أبرز الفرق اليهودية في العهد الإسلامي‏
1- القراؤون‏
وقد أسماها الشهرستاني(120) بالعنانية نسبة إلى رجل يقال له عنان بن داوود، رأس الجالوت. وحركة القرّائين، كما يقول أحد الباحثين(121) "هي أول ردّة فعل ضد التلمود في العصر الغاؤوني(122). وسمّيت هذه الحركة بهذا الإسم، نسبة إلى أتباع التوراة أو "المقرا" على نقيض من المِشناه، بمعنى التكرار الشفوي"، وكان ظهورها في القرن الثامن الميلادي.(123)‏
ويبدو أن الصراع قد احتدم، نتيجة ذلك، بين التلموديين واليهود القرائين، حتى بلغ حداً راح كل منهما يكفّر الآخر، وأنتج من جملة ما أنتج أن حرّم التلموديين الزواج من أعدائهم القرائين، وحكموا باعتبار من يتولّد عن هذا الزواج ابن زنا.(124)‏
وقد ذكر الشهرستاني أن القرائين (العنانية) "يخالفون سائر اليهود في السبت والأعياد، وينهوون عن أكل الطير والظباء والسمك والجراد، ويذبحون الحيوان على القفا ويصدّقون عيسى (ع) في مواعظه وإشاراته، ويقولون إنه لم يخالف التوراة البتّة بل قررها ودعا الناس إليها..". ويذكر الشهرستاني أن أتباع هذه الفرقة اختلفوا في عيسة (ع) فمنهم من قال إنه من بني إسرائيل، ومنهم من نفى أن يكون منهم. مع اتفاقهم على أنه لم يدع كونه نبيّاً مرسلاً من عند الله.(125)‏
وقيل: إن القرائين كانت لهم صلاة قريبة من صلاة المسلمين، يسبقها نوع من الطهارة والغسل والوضوء، وفيها حركات تشبه القيام والركوع والسجود كما في صلاة المسلمين.(126) وقيل: إن هذه الفرقة تأثرت بالفكر الإسلامي، والمعتزلي منه بوجه خاص.(127) وقد كان لهذه الفرقة أثر كبير، على ما يبدو، في وجود فرق أخرى أسّسها بعض علمائها وزعمائها من بعد، منها:‏
2- العيسوية‏
يظهر أن هذه الفرقة أسّيها أحد قادة القرائين المتقدمة، وهو ابو عيسى بن اسحاق بن يعقوب الأصفهاني، "قيل إن اسمه عوفيد ألوهيم، أي عابد الله، كان في زمن المنصور وابتدأ دعوته في زمن آخر ملوك بني أميّة: مروان الحمار، فاتبعه بشر كثير من اليهود وادّعوا له آيات ومعجزات.. زعم أنه نبيّ وأنه رسول المسيح المنتظر.. وزعم أن الله تعالى يكلّمه، كلّفه أن يخلّص بني إسرائيل من أيدي الأمم العاصين والملوك الظالمين.. وكان يوجب تصديق المسيح.. وحرّم في كتابه الذبائح كلها، ونهى عن أكل كل ذي روح على الإطلاق.. وأوجب عشر صلوات وذكر أوقاتها. وخالف اليهود في كثير من أحكام الشريعة المذكورة في التوراة.." إلخ. وقيل: إنه قتل على أيدي رجال المنصور العباسي بالريّ هو وأصحابه. (128)‏
3- اليوذعانية‏
نسبة إلى يوذعان الهمذاني "وقيل: كان اسمه يهوذا. كان يحث على الزهد وتكثير الصلاة، وينهى عن اللحوم والأنبذة.. وكان يزعم أن للتوراة ظاهراً وباطناً، وتنزيلاً وتأويلاً، وخالف بتأويلاته عامة اليهود. وخالفهم في التشبيه، ومال إلى القدر وأثبت الفعل حقيقة للعبد، وقدر الثواب والعقاب عليه وشدّد في ذلك".(129)‏
4- الموشكانية‏
أتباع موشكان، كان على مذهب يوذعان، غير أنه كان يوجب الخروج على مخالفيه ونصب القتال معهم، قتل بناحية قم. وذكر عن جماعة منهم أنهم أثبتوا نبوة محمد (ص) إلى العرب وسائر الناس سوى اليهود، لأنهم أهل كتاب.. إلخ.(130)‏
5- القبالة‏
كان ظهورها نتيجة انتشار الصوفية اليهودية التي تطوّرت في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، وأحرزت انتصارها شبه الكامل في معظم المراكز اليهودية أواخر القرن السادس عشر، وظل تأثير القبالة في اليهودية الأرثوذكسية، لا سيما الحاخامات، فحركة "غوش أمونيم"، مثلاً، متأثرة بالأفكار القبالية إلى حد بعيد، بل أن العديد من السياسيين ومنهم، معظم القادة الصهاينة، في كل الأحزاب وحتى اليسار الصهيوني تشكل القبالة جزءاً من معتقداتهم، ووفق المعتقدات القبالية فإن الكون ليس محكوماً من إله واحد، بل من آلهة عدة مختلفة الصفات والقدرات. انبثقت عن سبب أول قديم غامض؟!! وهذه هي عقيدة الشرك.‏
*************************‏
****************‏

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ارجو ان اكون قد وفقت لتوضيح الصورة كاملة لكم مني الشكر على طول صبركم والعناية في التاني لقراءة الموضوع فهو جدا مفيد وذات معالم
يرجى منها كل خير I love you
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
اليهودية والإسلام على ضوء التوراة والقرآن...
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى عطية المصرى :: منتدى الدينى ::  منتدى القرءان والسنة-
انتقل الى: